ومن هذا قوله:"وضرب لنا مثلًا ونسي خلقه، قال: من يحيي العظام وهي رميم"؟ إلى آخر السورة. فلو رام أعلم البشر وأفضحهم وأقدرهم على البيان، أن يأتي بأحسن من هذه الحجة، أو بمثلها بألفاظ تشابه هذه الألفاظ في الإيجاز ووضح الأدلة وصحة البرهان لما قدر. فإنه سبحانه افتتح هذه الحجة بسؤال أورده ملحد، اقتضى جوابًا، فكان في قوله:"ونسي خلقه"ما وفى بالجواب. وأقام الحجة وأزال الشبهة لما أراد سبحانه من تأكيد الحجة وزيادة تقريرها فقال:"قل يحييها الذي أنشأها أول مرة"، فاحتج بالإبداء على الإعادة، وبالنشأة الأولى على النشأة الأخرى. إذ كل عاقل يعلم ضروريا أن من قدر على هذه قدر على هذه، وأنه لو كان عاجزًا عن الثانية لكان عن الأولى أعجز وأعجز. ولما كان الخلق يستلزم قدرة الخالق على المخلوق، وعلمه بتفاصيل خلقه أتبع ذلك بقوله:"وهو بكل خلق عليم". فهو عليم بتفاصيل الخلق الأول وجزئياته، ومواده وصورته، فكذلك الثاني. فإذا كان تام العلم، كامل القدرة، كيف يتعذر عليه أن يحيي العظام وهي رميم؟ ثم أكد الأمر بحجة قاهرة، وبرهان ظاهر، يتضمن جوابًا عن سؤال ملحد آخر يقول: العظام اذا صارت رميمًا عادت طبيعتها باردة يابسة، والحياة لا بد أن تكون مادتها وحاملها طبيعة حارة رطبة بما يدل على أمر البعث، ففيه الدليل والجواب معا، فقال:"الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارًا فإذا أنتم منه توقدون". فأخبر سبحانه بإخراج هذا العنصر، الذي هو في غاية الحرارة واليبوسة، من الشجر الأخضر المتلاء بالرطوبة والبرودة، فالذي يخرج الشيء من ضده، وتنقاد له مواد المخلوقات وعناصرها [و] لا تستعصي عليه هو الذي يفعل ما أنكره الملحد ودفعه، من إحياء العظام وهي رميم. ثم أكد هذا بأخذ الدلالة من الشيء الأجل الأعظم، [على] الأيسر الأصغر، فإن كل عاقل يعلم أن من قدر على العظيم الجليل فهو على ما دونه بكثير أقدر وأقدر، فمن قدر على حمل قنطار فهو على حمل أوقية أشد أقتدارًا، فقال:"أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم"؟ فأخبر أن الذي أبدع السماوات والأرض، على جلالتهما، وعظم شأنهما، وكبر أجسامها، وسعتهما، وعجيب خلقهما، أقدر على أن يحيي عظامًا قد صارت رميمًا، فيردها إلى حالتها الأولى. اهـ