-وذكر ابن القيم في كتابه شفاء العليل (ص/134) كلام نفيس في عظمة الخالق سبحانه وتعالي في ما أودع من صفات في بعض مخلوقاته كالنمل والنحل .. قال رحمه الله تعالي:
وأمر النحل في هدايتها من أعجب العجب، وذلك أن لها أميرًا ومدَبّرًا وهو اليعسوب وهو أكبر جسمًا من جميع النحل، وأحسن لونًا وشكلًا.
وإناث النحل تلد في إقبال الربيع، وأكثر أولادها يكنّ إناثًا، وإذا وقع فيها ذكر لم تدعه بينها، بل إمّا أن تطرده وإمّا أن تقتله، إلاَّ طائفة يسيرة منها تكون حول الملِك. وذلك أن الذكور منها لا تعمل شيئًا ولا تكسب. ثم تجمع الأمهات وفراخها عند الملِك فيخرج بها إلى المرعَى من المروج والرِّياض والبساتين والمراتع في أقصر الطرق وأقربها، فتجتني منها كفايتها فيرجع بها الملِك، فإذا انتهوا إلى الخلايا وقف على بابها ولم يدع ذكرًا ولا نحلة غريبة تدخلها.
فإذا تكامل دخولها دخل بعدها وتواجدت النحل مقاعدها وأماكنها، فيبتداء الملِك بالعمل كأنه يعلّمها إياه، فيأخذ النحل في العمل ويتسارع إليه، ويترك الملِك العمل ويجلس ناحية بحيث يشاهد النحل.
فيأخذ النحل في إيجاد الشمع من لزوجات الأوراق والأنوار، ثم تقتسم النحل فرقًا.
فمنها فرقة تلزم الملِك ولا تفارقه ولا تعمل ولا تكسب، وهم حاشية الملك من الذكورة.
ومنها فرقة تهياء الشمع وتصنعه، والشمع هو ثقل العسل وفيعه حلاوة كحلاوة التين، وللنحل فيه عناية شديدة فوق عنايتها بالعسل، فينظفه النحل ويصفيه ويخلصه من أبوالها وغيرها.
وفرقة تبني البيوت.
وفرقة تسقي الماء وتحمله على متونها.
وفرقة تكنس الخلايا وتنظفها من الأوساخ والجيف والزبل. وإذا رأت بينها نحلة مَهينة بطّالة قطعتها وقتلتها حتى لا تفسد عليهم بقية العمّال وتعديهن ببطالتها ومهانتها.
وأول ما يبني في الخلية مقعد الملِك وبيته، فيُبنى له بيتًا مريعًا يشبه السرير والتخت، فيجلس عليه ويستدير حوله طائفة من النحل يشبه الأمراء والخدم