فهرس الكتاب

الصفحة 219 من 286

راحلته"، فهذا قربه من داعيه وذاكره، ويعني فأي حاجة بكم إلى رفع الأصوات وهو لقربه يسمعها وإن خفضت، كما يسمعها إذا رفعت، فإنه سميع قريب."

وهذا القرب هو من لوازم المحبة المحبوب على قلب محبه بحيث يفنى بها عن غيرها، ويغلب محبوبه على قلبه حتى كأنه يراه ويشاهده فإن لم يكن عنده معرفة صحيحة باله وما يجب له وما يستحيل عليه وإلا طرق باب الحلول إن لم يلجه، وسببه ضعف تمييزه وقوة سلطان المحبة، واستيلاء المحبوب على قلبه بحيث يغيب عن ملاحظة ما سواه، وفي مثل هذه الحال يقول: سبحاني، أو ما في الجبة إلا الله. ... ونحو هذا من الشطحات التي نهايتها أن يغفر له ويعذر لسكره وعدم تمييزه في تلك الحال. فالتعبد بهذا الاسم هو التعبد بخالص المحبة وصفوة الوداد، وأن يكون الإله أقرب إليه من كل شيء وأقرب إليه من نفسه، مع كونه ظاهرا ليس فوقه شيء، ومن كثف ذهنه وغلط طبعه عن فهم هذا فليضرب عنه صفحا

إلى ما هو أولى به، فقد قيل:

إذا لم تستطيع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع

فمن لم يكن له ذوق من قرب المحبة، ومعرفة بقرب المحبوب من محبة غاية القرب وإن كان بينهما غاية المسافة- ولا سيما إذا كانت المحبة من الطرفين، وهي محبة برئية من العلل والشوائب والأعراض القادحة فيها- فإن المحب كثيرا ما يستولي محبوبه على قلبه وذكره ويفنى عن غيره ويرق قلبه وتتجرد نفسه، فيشاهد محبوبه على قلبه كالحاضر معه القريب إليه وبينهما من البعد ما بينهما، وفي هذه الحال يكون في قلبه وجوده العلمي، وفي لسانه وجوده اللفظي، فيستولي هذا الشهود عليه ويغيب به، فيظن أن في عينه وجوده الخارجي لغلبة حكم القلب والروح، كما قيل:

خيالك في عيني وذكرك في فمي ومثواك في قلبي فأين تغيب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت