وأما شكر الرب تعالى فله شأن آخر كشأن صبره فهو أولى بصفة الشكر من كل شكور بل هو الشكور على الحقيقة فإنه يعطي العبد ويوفقه لما يشكره عليه ويشكر القليل من العمل والعطاء فلا يستقله أن يشكره ويشكر الحسنة بعشر أمثالها إلى أضعاف مضاعفة ويشكر عبده بقوله بأن يثني عليه بين ملائكته وفي ملئه الأعلى ويلقي له الشكر بين عباده ويشكره بفعله فإذا ترك شيئًا أعطاه أفضل منه وإذا بذل له شيئًا رده عليه أضعافًا مضاعفة وهو الذي وفقه للترك والبذل وشكره على هذا وذاك ولما عقر نبيه سليمان الخيل غضبا له إذ شغلته عن ذكره فأراد ألا تشغله مرة أخرى أعاضه عنها متن الريح ولما ترك الصحابة ديارهم وخرجوا منها في مرضاته أعاضهم عنها أن ملكهم الدنيا وفتحها عليهم ولما احتمل يوسف الصديق ضيق السجن شكر له ذلك بأن مكن له في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء ولما بذل الشهداء أبدانهم له حتى مزقها أعداؤه شكر لهم ذلك بأن أعاضهم منها طيرًا خضرًا أقر أرواحهم فيها ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها إلى يوم البعث فيردها عليهم أكمل ما تكون وأجمله وأبهاه ولما بذل رسله أعراضهم فيه لأعدائهم فنالوا منهم وسبوهم أعاضهم من ذلك بأن صلى عليهم هو وملائكته , وجعل لهم أطيب الثناء في سمواته وبين خلقه فأخلصهم بخالصة ذكري الدار.
ثم قال رحمه الله:
فهو سبحانه يشكر العبد على إحسانه لنفسه والمخلوق إنما يشكر من أحسن إليه وأبلغ من ذلك أنه سبحانه هو الذي أعطى العبد ما يحسن به إلى نفسه وشكره على قليله بالأضعاف المضاعفة التي لا نسبة لاحسان العبد إليها فهو المحسن بإعطاء الإحسان واعطاء الشكر فمن أحق باسم الشكور منه سبحانه.
وتأمل قوله سبحانه: {ما يَفعَل اللَهُ بِعذابِكُم إِن شَكَرتُم وآمَنتُم وكانَ اللَهُ شاكِرًا عَليمًا} (النساء: 147) كيف تجد في ضمن هذا الخطاب أن شكره تعالى يأبى تعذيب عباده سدى بغير جرم كما يأبى إضاعة سعيهم باطلًا فالشكور لا يضيع أجر محسن ولا يعذب غير مسيء وفي هذا رد لقول من زعم أنه سبحانه يكلفه ما لا يطيقه ثم يعذبه على ما لا يدخل تحت قدرته تعالى الله عن