قوله: (صككتها) أي لطمتها. قوله صلى الله عليه وسلم: (أين الله؟ قالت في السماء قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله قال: أعتقها فإنها مؤمنة) هذا الحديث من أحاديث الصفات ..
أحدهما: الإيمان به من غير خوض في معناه , مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنزيهه عن سمات المخلوقات. والثاني تأويله بما يليق به , فمن قال بهذا قال: كان المراد امتحانها , هل هي موحدة تقر بأن الخالق المدبر الفعال هو الله وحده , وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء كما إذا صلى المصلي استقبل الكعبة؟ وليس ذلك ; لأنه منحصر في السماء كما أنه ليس منحصرا في جهة الكعبة , بل ذلك لأن السماء قبلة الداعين , كما أن الكعبة قبلة المصلين , أو هي من عبدة الأوثان العابدين للأوثان التي بين أيديهم , فلما قالت: في السماء , علم أنها موحدة وليست عابدة للأوثان. قال القاضي عياض: لا خلاف بين المسلمين قاطبة فقيههم ومحدثهم ومتكلمهم ونظارهم ومقلدهم أن الظواهر الواردة بذكر الله تعالى في السماء كقوله تعالى: {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض} ونحوه ليست على ظاهرها , بل متأولة عند جميعهم , فمن قال بإثبات جهة فوق من غير تحديد ولا تكييف من المحدثين والفقهاء والمتكلمين تأول: في السماء , أي: على السماء , ومن قال من دهماء النظار والمتكلمين وأصحاب التنزيه بنفي الحد واستحالة الجهة في حقه سبحانه وتعالى تأولوها تأويلات بحسب مقتضاها , وذكر نحو ما سبق. قال: ويا ليت شعري ما الذي جمع أهل السنة وألحق كلهم على وجوب الإمساك عن الفكر في الذات كما أمروا , وسكتوا لحيرة العقل , واتفقوا على تحريم التكييف والتشكيل , وأن ذلك من وقوفهم وإمساكهم غير شاك في الوجود والموجودة , وغير قادح في التوحيد , بل هو حقيقته , ثم تسامح بعضهم بإثبات الجهة خاشيا من مثل هذا التسامح , وهل بين التكييف وإثبات الجهات فرق؟ لكن إطلاق ما أطلقه الشرع من أنه القاهر فوق عباده , وأنه استوى على العرش , مع التمسك بالآية الجامعة للتنزيه الكلي الذي لا يصح في المعقول غيره , وهو قوله تعالى: {ليس كمثله صلى الله عليه وسلم شيء} عصمة لمن وفقه الله تعالى , وهذا كلام القاضي رحمه الله تعالى. اهـ