فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 286

ومن ذلك الاقتصار من المأكول على أخشنه وأفظعه لمجرد التشديد لا لغرض سواه، فهو من النمط المذكور فوقه، لأن الشرع لم يقصد إلى تعذيب النفس في التكليف، وهو أيضًا مخالف لقوله عليه الصلاة والسلام:

"إن لنفسك عليك حقًا".

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم: يأكل الطيب إذا وجده.

وكان يحب الحلواء والعسل.

ويعجبه لحم الذراع، ويستعذب له الماء، فأين التشديد من هذا؟.

ولا يدخل الاستعمال المباح في قوله تعالى:"أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا"لأن المراد به الإسراف الخارج عن حد المباح، بدليل ما تقدم، فإذًا الاقتصار على البشيع في المأكل من غير عذر تنطع، وقد مر ما فيه قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم"الآية.

ومن ذلك الاقتصار في الملبس على الخشن من غير ضرورة، فإنه من قبيل التشديد والتنطع المذموم، وفيه أيضًا من قصد الشهرة ما فيه.

وقد روي عن الربيع بن زياد الحارثي أنه قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: أغد بي على أخي عاصم. قال: ما باله؟ قال: لبس العباء يريد النسك. فقال علي رضي الله عنه: علي به. فأتي به مؤتزرًا بعباءة، مرتديًا بالأخرى، شعث الرأس واللحية، فعبس في وجهه وقال: ويحك! أما استحييت من أهلك؟ أما رحمت ولدك؟ أترى الله أباح لك الطيبات وهو يكره أن تنال منها شيئًا؟ بل أنت أهون على الله من ذلك، أما سمعت الله يقول في كتابه:"والأرض وضعها للأنام"إلى قوله:"يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان"؟ أفترى الله أباح هذه لعبادة إلا ليبتذلوه ويحمدوا الله عليه فيثبتهم عليه؟ وإن ابتذالك نعم الله بالفعل خير منه بالقول. قال عاصم: فما بالك في خشونة مأكلك وخشونة ملبسك، قال: ويحك! إن الله فرض على أئمة الحق أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس.

فتأملوا كيف لم يطالب الله ا لعباد بترك الملذوذات! وإنما طالبهم بالشكر عليها إذا تناولوها، فالمتحري للامتناع من تناول ما أباحه الله من غير موجب شرعي مفتات على الشارع وكل ما جاء عن المتقدمين من الامتناع عن بعض المتناولات من هذه الجهة. وإنما امتنعوا منه لعارض شرعي يشهد الدليل باعتباره، كالامتناع من التوسع لضيق الحال في يده، أو لأن المتناول ذريعة إلى ما يكره أو يمنع، أو لأن في المتناول وجه شبهة تفطن إليه التارك ولم يتفطن إليه غيره ممن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت