ثبت بمضمون هذه الفصول المتقدمة آنفًا أن الحرج منفي عن الدين جملة وتفصيلًا ـ وإن كان قد ثبت أيضًا في الأصول الفقهية على وجه من البرهان أبلغ ـ فلنبن عليه فنقول:
قد فهم قوم من السلف الصالح وأهل الانقطاع إلى الله ممن ثبت ولايتهم أنهم كانوا يشددون على أنفسهم، ويلزمون غيرهم الشدة أيضًا والتزام الحرج ديدنًا في سلوك طريق الآخرة، وعدوا من لم يدخل تحت هذا الالتزام مقصرًا مطرودًا ومحرومًا، وربما فهموا ذلك من بعض الإطلاقات الشرعية، فرشحوا بذلك ما التزموه، فأفضى الأمر بهم إلى الخروج عن السنة إلى البدعة الحقيقية أو الإضافية.
فمن ذلك أن يكون للمكلف طريقان في سلوكه للآخرة، أحدهما سهل والآخر صعب، وكلاهما في التوصل إلى المطلوب على حد واحد، فيأخذ بعض المتشددين بالطريق الأصعب الذي يشق على المكلف مثله، ويترك الطريق الأسهل بناء على التشديد على النفس، كالذي يجد للطهارة ماءين: سخنًا وباردًا فيتحرى البارد الشاق استعماله، ويترك الآخر، فهذا لم يعط النفس حقها الذي طلبه الشارع منه، وخالف دليل رفع الحرج من غير معنى زائد، فالشارع لم يرض بشرعية مثله، وقد قال الله تعالى:"ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما"فصار متبعًا لهواه، ولا حجة له في قوله عليه الصلاة والسلام:
"ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء عند الكريهات"الحديث.
من حيث كان الإسباغ مع كراهية النفس سببًا لمحو الخطايا ورفع الدرجات، ففيه دليل على أن للإنسان أن يسعى في تحصيل هذا الأجر بإكراه النفس، ولا يكون إلا بتحري إدخال الكراهية عليها، لأنا نقول: لا دليل في الحديث على ما قلتم، وإنما فيه أن الإسباغ مع وجود الكراهية، ففيه أمر زائد، كالرجل يجد ماء باردًا في زمان الشتاء ولا يجده سخنًا فلا يمنعه شدة برده عن كمال الإسباغ.
وأما القصد إلى الكراهية فليس في الحديث ما يقتضيه، بل في الأدلة المتقدمة ما يدل على أنه مرفوع عن العباد، ولو سلم أن الحديث يقتضيه لكانت أدلة رفع الحرج تعارضه وهي قطعية وخبر الواحد ظني، فلا تعارض بينهما للاتفاق على تقديم القطعي، ومثل الحديث قول الله تعالى:"ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة"الآية.