فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 286

قال النووي في شرح الحديث:

قوله تعالى: {إني حرمت الظلم على نفسي} قال العلماء: معناه تقدست عنه وتعاليت , والظلم مستحيل في حق الله سبحانه وتعالى. كيف يجاوز سبحانه حدا وليس فوقه من يطيعه؟ وكيف يتصرف في غير ملك , والعالم كله في ملكه وسلطانه؟ وأصل التحريم في اللغة المنع , فسمى تقدسه عن الظلم تحريما لمشابهته للممنوع في أصل عدم الشيء. قوله تعالى: {وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا} هو بفتح التاء أي لا تتظالموا , والمراد لا يظلم بعضكم بعضا , وهذا توكيد لقوله تعالى: {يا عبادي وجعلته بينكم محرما} وزيادة تغليظ في تحريمه. قوله تعالى: {كلكم ضال إلا من هديته} قال المازري: ظاهر هذا أنهم خلقوا على الضلال إلا من هداه الله تعالى. وفي الحديث المشهور"كل مولود يولد على الفطرة"قال: فقد يكون المراد بالأول وصفهم بما كانوا عليه قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم , وأنهم لو تركوا وما في طباعهم من إيثار الشهوات والراحة وإهمال النظر لضلوا. وهذا الثاني أظهر. وفي هذا دليل لمذهب أصحابنا وسائر أهل السنة أن المهتدي هو من هداه الله , وبهدى الله اهتدى , وبإرادة الله تعالى ذلك , وأنه سبحانه وتعالى إنما أراد هداية بعض عباده وهم المهتدون , ولم يرد هداية الآخرين , ولو أرادها لاهتدوا , خلافا للمعتزلة في قولهم الفاسد: أنه سبحانه وتعالى أراد هداية الجميع. جل الله أن يريد ما لا يقع , أو يقع ما لا يريد.

قوله تعالى: {ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر} المخيط بكسر الميم وفتح الياء هو الإبرة: قال العلماء: هذا تقريب إلى الأفهام , ومعناه لا ينقص شيئا أصلا كما قال في الحديث الآخر:"لا يغيضها نفقة"أي لا ينقصها نفقة ; لأن ما عند الله لا يدخله نقص , وإنما يدخل النقص المحدود الفاني , وعطاء الله تعالى من رحمته وكرمه , وهما صفتان قديمتان لا يتطرق إليهما نقص , فضرب المثل بالمخيط في البحر , لأنه غاية ما يضرب به المثل في القلة , والمقصود التقريب إلى الإفهام بما شاهدوه ; فإن البحر من أعظم المرئيات عيانا , وأكبرها , والإبرة من أصغر الموجودات , مع أنها صقيلة لا يتعلق بها ماء. والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت