رفع بالابتداء، وعند الكوفيين بالصفة، وظاهر الآية العموم ومعناها الخصوص، لأن كثيرًا من الدواب هلك قبل أن يرزق. وقيل: هي عامة في كل دابة: ولك دابة لم ترزق رزقًا تعيش به فقد رزقت روحها، ووجه النظم بما قبل: أنه سبحانه أخبر برزق الجميع، وأنه لا يغفل عن تربيته، فكيف تخفى عليه أحوالكم يا معشر الكفار وهو يرزقكم؟! والدابة كل حيوان يدب. والرزق حقيقته ما يتغذى به الحي، ويكون فيه بقاء روحه ونماء جسده. ولا يجوز أن يكون الرزق بمعنى الملك، لأن البهائم ترزق وليس يصح وصفها بأنها مالكة لعلفها، وهكذا الأطفال ترزق اللبن ولا يقال: إن اللبن الذي في الثدي ملك للطفل. وقال تعالى:"وفي السماء رزقكم" (الذاريات: 22) وليس لنا في السماء ملك، ولأن الرزق لو كان ملكًا لكان إذا أكل الإنسان من ملك غيره أن يكون قد أكل من رزق غيره، وذلك محال، لأن العبد لا يأكل إلا رزق نفسه. وقد تقدم في (البقرة) هذا المعنى والحمد لله. وقيل لبعضهم: من أين تأكل؟ فقال: الذي خلق الرحى يأتيها بالطحين، والذي شدق الأشداق هو خالق الأرزاق. وقيل لأبي أسيد: من أين تأكل؟ فقال: سبحان الله والله أكبر! إن الله يرزق الكلب أفلا يرزق أبا سيد!. وقيل لحاتم الأصم: من أين تأكل؟ فقال: من عند الله، فقيل له: الله ينزل لك دنانير ودراهم من السماء؟ فقال: كأن ما له إلا السماء! يا هذا الأرض له والسماء له، فإن لم يؤتني رزقي من السماء ساقه لي من الأرض، وأنشد:
وكيف أخاف الفقر والله رازقي ... ورازق هذا الخلق في العسر واليسر
تكفل بالأرزاق للخلق كلهم ... وللضب في البيداء والحوت في البحر
ثم قال رحمه الله:
قوله تعالى:"ويعلم مستقرها"أي من الأرض حيث تأوي إليه."ومستودعها"أي الموضع الذي تموت فيه فتدفن، قاله مقسم عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقال الربيع بن أنس:"مستقرها"في الرحم، و"مستودعها"في الصلب. وقيل:"يعلم مستقرها"في الجنة أو في النار."ومستودعها"في القبر، يدل عليه قوله تعالى في وصف أهل الجنة وأهل النار:"حسنت مستقرا ومقاما"(