فالاعتقاد أنْ يعلم أن الأمر كله لله - تعالى - ويعتمد بقلبه على ربه - جل وعلا - ويثق به ثقة كاملة، ويعمل الأسباب المأذون فيها شرعًا.
-التوكل وفعل الأسباب:
بيان ذلك من عدة أمور:
أولًا: لا بُدَّ من فعل السبب مع التوكُّل، وفعل السبب لا يقدح في التوكل، فالنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أعظمُ المتوكلين، وكان يأخذ بالأسباب يأخذُ زاده في السَّفر، ويلبس درعه في الحرب، ويستأجر من يدُلُّه على الطريق في غزواته ونحو ذلك.
ثانيًا: ادِّعاء التوكل بالاعتماد على الله من دون فعل الأسباب طعنٌ في حكمة الله - تعالى - لأنَّ الله جعل لكل شيء سببًا، فادَّعاء ذلك لا يسمى توكلًا بل تواكلًا.
ثالثًا: الاعتماد على الأسباب وحْدَها دون الالتفات إلى الله - تعالى - نوعٌ من أنواع الشرك بالأسباب.
رابعًا: جَعْلُ أكثرِ الاعتماد على الأسباب نقصٌ في التوكُّل على الله - تعالى - لأنه قدح في كفاية الله تعالى.
-التوكل على الغير له أنواع:
الأول: التوكُّل على الغير فيما لا يقدر عليه إلا الله - تعالى - من جلب المنافع ودفع المضار، فهذا شرك أكبر، كأنْ يعتمد على ميت في جلب منفعة أو دفع مَضرة، وهذا يسمى"توكُّلَ السر"، وهو شرك أكبر؛ لأنه يعتقد أنَّ لهذا الميت تصرفًا سريًّا في الكون.
الثاني: التوكُّل على الغير من الأحياء فيما يقدر عليه مع الشعور بعلو مَرتبته، فهذا شرك أصغر؛ بسبب قوة تعلُّق القلب بهذا الإنسان، واعتماده عليه مع إغفاله أنَّه سببٌ من الأسباب وأنَّ الله - عزَّ وجلَّ - أجرى على يديه هذه النِّعم، كمن يعتمد على ملك أو وزير أو مسؤول، أمَّا إذا اعتقد الإنسانُ أن هذا سبب، وأنَّ الله - تعالى - أقدره على هذه النعم وأجراها على يديه، فحينئذ لا بأسَ بهذا.
الثالث: التوكُّل على الغير في فعل ما يقدر عليه نيابة عنه، فهذا لا بأس به، كأن يقول وكَّلت فلانًا بكذا، وقد دَلَّ على جواز ذلك الكتابُ والسنة والإجماع، فقد قال تعالى عن يعقوب لبنيه: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ} [يوسف: 87] ، ووكل النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أبا هريرة - رضي الله عنه - على الصدقة؛ كما في صحيح البخاري، ووكل النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - عليًّا - رضي الله عنه - في ذبح بقية بُدنهِ، يذبُحها في حَجَّة الوداع؛ كما في"صحيح مسلم".