نَفْسِهِ، وَقَدْ شُرِطَ أَنْ يَفِيَ لَهُمْ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنِ فِي دَارِهِمْ. وَهُوَ مَا قَالَهُ اللَّيْثُ (1) . وَوَافَقَهُمْ كُلٌّ مِنَ: الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، إِذَا مَا كَانَ الأَْسِيرُ مَحْبُوسًا أَوْ مُقَيَّدًا، لأَِنَّهُ مُكْرَهٌ، وَأَعْطَى الشَّافِعِيَّةُ مَنْ أَمَّنَ آسِرَهُ حُكْمَ الْمُكْرَهِ، وَقَالُوا: إِنَّ أَمَانَهُ فَاسِدٌ. (2) أَمَّا إِذَا كَانَ مُطْلَقًا وَغَيْرَ مُكْرَهٍ، فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ أَسِيرَ الدَّارِ - وَهُوَ الْمُطْلَقُ بِبِلاَدِ الْكُفَّارِ الْمَمْنُوعُ مِنَ الْخُرُوجِ مِنْهَا - يَصِحُّ أَمَانُهُ. قَال الْمَاوَرْدِيُّ: وَإِنَّمَا يَكُونُ مُؤَمَّنُهُ آمِنًا بِدَارِهِمْ لاَ غَيْرُ، إِلاَّ أَنْ يُصَرِّحَ بِالأَْمَانِ فِي غَيْرِهَا. (3) وَسُئِل أَشْهَبُ عَنْ رَجُلٍ شَذَّ عَنْ عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَسَرَهُ الْعَدُوُّ، فَطَلَبَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، فَقَال الْعَدُوُّ لِلأَْسِيرِ الْمُسْلِمِ: أَعْطِنَا الأَْمَانَ، فَأَعْطَاهُمْ الأَْمَانَ، فَقَال: إِذَا كَانَ أَمَّنَهُمْ، وَهُوَ آمِنٌ عَلَى نَفْسِهِ، فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ أَمَّنَهُمْ، وَهُوَ خَائِفٌ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِجَائِزٍ، وَقَوْل الأَْسِيرِ فِي ذَلِكَ جَائِزٌ. (4)
وَيُعَلِّل ابْنُ قُدَامَةَ لِصِحَّةِ أَمَانِ الأَْسِيرِ إِذَا عَقَدَهُ غَيْرَ مُكْرَهٍ، بِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الْخَبَرِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِسَنَدِهِ مِنْ أَنَّ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ. . . كَمَا أَنَّهُ مُسْلِمٌ مُكَلَّفٌ مُخْتَارٌ (5) .
(1) شرح السير الكبير 1 / 286، وتبيين الحقائق 3 / 247، والفتح 4 / 300، والبحر الرائق 5 / 88، ومواهب الجليل 3 / 361، وفتح الوهاب 2 / 176، والمغني 10 / 433.
(2) الوجيز 2 / 195.
(3) فتح الوهاب 2 / 176، وحاشية الجمل 5 / 205، وشرح البهجة 5 / 132.
(4) التاج والإكليل 3 / 361.
(5) المغني 10 / 433 وحديث:"ذمة المسلمين. . ."أخرجه مسلم من حديث الأعمش مرفوعا (صحيح مسلم بتحقيق محمد عبد الباقي 2 / 999 ط عيسى الحلبي) .