"وثالثًا إلى مَجَازٍ وإلَى حَقِيقَةٍ": يعني ينقسم الكلام باعتبار آخر انقساما ثالثا مُغايرًا لما سبق وهو باعتبار استعماله في مدلوله. انظر الحيثية الأولى: باعتبار ما يتركب منه، الحيثية الثانية: باعتبار مدلوله هو، الحيثية الثالثة: باعتبار هل يُستعملُ في مدلوله أم في غير مدلوله فينقسم إلى قسمين اثنين لا ثالث لهما، وهما الحقيقة والمجاز وهذا التقسيم فيه نزاع طويل عريض عند المتأخرين وحاصله أن المجاز هل هو موجود في لسان العرب أو لا؟ وإن قلنا بوجوده في لسان العرب هل هو موجود في القرآن أو لا؟ .. ثَمَّ أقوال واختلاف بين أهل العلم يقرر قاعدة عامة أولا وهي: أن الصفات للرب - جل وعلا - وأسمائه - جل وعلا - لا مجاز فيها ألبتة مقطوع به وهذا عند السلف وأتباع السلف أن أسماء الرب - جل وعلا - والصفات فهي حقائق ولا مجاز فيها ألبتة ولا جدال في هذا لا نزاع في هذا ما عدا ذلك فهو مختلف فيه، ولذلك بعض ممن قرر عقيدة السلف يقول بالمَجَاز ابن قدامة - رحمه الله تعالى - على المشهور أنه قرر عقيدة السلف في اللمعة [1] وفي غيرها ومع ذلك دافع عن المجاز في الروضة وأيده ورد على من أَوَلَ أو كما قال بعضهم حرف كلام الإمام أحمد أنه من مجاز اللغة يعني مما يُتَجَوز به في اللغة - حينئذ - لا تنافي بين القول بالمجاز وبين أن يكون سلفيا في المعتقد إذا منعنا دخول المجاز في الأسماء والصفات فيصير الخلاف - حينئذ - خلافا مستساغا بمعنى من قرر عقيدة السلف على وجهها وقال بالمجاز لا ينبغي أن يُشدد في مثل هذه المسائلة ولا ينبغي أن نجعله من أهل البدع أو أنه قد وافق المبتدعة أو غير ذلك لأن كما ذكرت أن بعض أو كثيرا ممن يقرر عقيدة السلف هو على القول بالمجاز وشيخنا محمد على آدم الإثيوبي - حفظه الله تعالى - يقرر المجاز بشدة ومع ذلك هو على عقيدة السلف على جادة السلف - حينئذ - نُقرر ما يذكره الناظم - رحمه الله تعالى - وأما رأيي فهذا احتفظ به لنفسي وأقرر ما ذكره المصنف - رحمه الله تعالى -.
وثالثًا إلى مَجَازٍ وإلَى حَقِيقَةٍ وحَدُّهَا ما اسْتُعمِلاَ
مِن ذاك في مَوضُوعِهِ
"وحدها": يعني بدأ بالثاني، وهو الحقيقة، وهذا يُسمى: لفًا ونشرا غير مُرتب لأنه قال: إلى مجاز وإلى حقيقة قَدَّمَ المجاز، وثنى بالحقيقة ثم لما أراد أن يُفَصِّل بدأ بالثاني دون الأول والأصل أن يبدأ بماذا؟ بالأول، وهذا لا إشكال فيه بل هو أسلوب عربي واضح بَيِّن وجاء استعماله في القرآن:
{يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ} آل عمران: 106
بدأ بالثانية مثل الذي معنا، وهو أسلوب من أساليب العرب.
"وحَدُّهَا": يعني وحد الحقيقة، وهي فعيلة من الحق قال ابن فارس:
"الحقيقة من قولنا حق الشيء إذا وجب واشتقاقه من الشيء المحقق وهو المُحكم تقول هذا ثوب مُحقق النسج أي مُحْكَمٌ وقيل هي من حق الشيء يحق بالكسر والضم إذا ثبت ووجب"
(1) - هوكتاب لمعة الاعتقاد لابن قُدامة المقدسي في العقيدة وله شرح لفضيلة الشيخ بن عثيمين - رحمه الله - تعالى - -.