"ما طلب الشارع فعله": خرج به المحرم، والمكروه، والمباح , وبقى ماذا؟ الواجب، والمندوب كلاهما داخلان في هذا الجزء.
"ما طلب الشارع فعله طلبا غير جازم": خرج به الواجب , وأما باعتبار ما ذكره الناظم هنا , باعتبار الأثر حكمه: ما في فعله الثواب،"ما": هذا جنس بمعنى شيء , شيء قول أو عمل أو اعتقاد , في فعله الثواب أى: الثواب في فعله ,"في فعله": هذا خبر مقدم , و"الثواب": هذا مبتدأ مؤخر, الذي يكون في فعله الثواب: خرج به المباح فليس في فعله ثواب ولا في تركه وخرج به المحرم: فليس في فعله الثواب بل العقاب عكسه , كذلك المكروه ليس في فعله ثواب , ولم يكن في تركه عقاب ,"يكن": بمعنى يوجد فكان هنا تامة , يعنى تفتقر إلى فاعل، ولا تحتاج إلى اسم وخبر:
"وذو تمام ما برفع يكتفي"
"ولم يكن": يعنى بمعنى لم يوجد في تركه،"في": هنا في الموضعين بمعنى: على ,"في تركه عقاب": خرج به الواجب , لأن الواجب يكون في تركه العقاب , إذا عرفنا حقيقة المندوب في اللغة , وفى اصطلاح الأصوليين , وعرفنا حكمه فهو في اللغة بمعنى الدعاء , المدعو إليه
وفى الاصطلاح:"ما طلب الشارع فعله طلبا غير جازم", وحكمه: ما أثيب على فعله , كذلك تقيده بقصدا وامتثالا , لأنه لا ثواب لا في الواجب , ولا في المندوب , إلا بنية فإذا انتفت النية لاثواب , ولم يكن في تركه عقاب , المندوب مأمور به حقيقة على الصحيح عند الأصوليين , هل المندوب مأمور به أو لا؟ الصحيح أنه مأمور به لأنه طاعة , وكل طاعة فهي مأمور بها: ... {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرسول} المائدة: 92
فكل طاعة هي مأمور بها , فالواجب مأمور به ولا خلاف بين الأصوليين في ذلك، وإنما الخلاف في المندوب هل هو مأمور به؟
هل أمر به الشرع أو لا؟ الصحيح عند الأصوليين أن الشارع قد أمر به , فهو مأمور به حقيقة لا مجازا , ويسمى المندوب مستحبا، ونفلا، وسنة، وتطوعا، ومرغبا فيه: كلها ألفاظ مترادفة تصدق على حد واحد:
ما طلب الشارع فعله طلبا غير جازم , أو ما أثيب فاعله امتثالا ولم يعاقب تاركه , وقد حصل عند أرباب المذاهب الحنفية وغيرهم تنويع في مثل هذه المصطلحات وكلها تنويعات حادثة ليس عليها دليل صحيح وإنماهى خاصة بأرباب المذاهب فلا تشغل نفسك بهذه التفريقات.
الندب ما في فعله الثواب ... ولم يكن في تركه عقاب
هل يجب إتمام المندوب؟ ... الجواب:"لا". يعنى لو شرع في المندوب حينئذ له قطعه , ولا يجب عليه إكماله خلافا للحنفية
"والنفل ليس بالشروع يجب"
لماذا؟ ... لأنه جائز الترك هو ابتداء يجوز تركه، وجماهير أهل العلم على هذا , فمن شرع في نافلة جاز له قطعها سواء كانت صياما أو صلاة أوغيرها , ولحديث:
"المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر"
ويقاس على الصوم غيره من المندوبات , وهذا كما ذكرنا قول جماهير أهل الأصول.
ثم قال - رحمه الله:
وليس في المباح من ثواب ... فعلا وتركا بل ولاعقاب