"هاك أصول الفقه لفظا لقبا للفن من جزأين قد تركبا"
عرف أصول الفقه من حيث كونُه مركبًا إضافيًا ثُم خَتَمَ الباب بالمعنى الثاني لأصول الفقه، وذكرنا أن أصول الفقه له معنيان: معنى إضافي - سبق بيانُهُ - ومعنًى باعتبار كونِه لقبًا وعلمًا لهذا الفن بدا بالأول في أول الباب، وختم في آخر الباب بالثاني.
"والعلمُ لفظٌ للعمومِ": لفظ العلم عام، والعام هو: ما استغرق أفرادًا لا حصر لها ولفظ العلم لفظ عام بمعنى انه يَصدُقُ علي التفسير أنه علم، ويصدق علي الحديث أنه علم، ويصدق علي النحو أنه علم، ويصدق علي البلاغة أنها علم، والهندسة علم، والطب علم. إذًا له أفراد سواء كانت الأفراد هذه علوما شرعيه أو علوما دنيوية - حينئذٍ - نفهم من هذا أن العلاقة بين الفقه، وبين العلم الفقه بالمعني الشرعي السابق العلاقة بينهما العموم، والخصوص المطلق: فكل فقهٍ علمٌ، ولا عكس ... صحيح كل فقهٍ علم الفقه لا يخرج عن حد العلم هو فرد من أفراده كما أن التفسير فرد من أفراد العلم لكن هل كل علم هو فقه؟ هل كل علم هو فقه؟ الجواب:"لا". من العلم ما هو تفسير، وليس بفقه، والمراد بالفقه هنا بالمعنى الشرعي الذي عرفه المصنف بقوله:
"والفقه علم كل حكم شرعي جاء اجتهادًا دون حُكمٌ قطعي"
وان شئت: قل العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، ونحن نسقط قولهم المكتسب لأن المكتسب هذا أرادوا به الاحتراز عن القطعي، وهذا ليس بصحيح بل الصواب أن الفروع سواء كانت قطعية ثبوت الدلالة أو كانت ظنية فهي فقه، وتخصيص الفقه بالشيء الظني ليس عليه دليل واضح.
"والعلم لفظ للعموم": فهو عام يشمل الفقه، ويشمل غيره من سائر العلوم.
"لم يخص للفقه": بالمعنى الشرعي الذي ذكرناه سابقا العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية - علي المشهور - أو الذي قدمه في جمع الجوامع وتبعه السيوطي في الكوكب الساطع لم يَخُصْ للفقه بالمعني الشرعي"مفهومًا لم يَخُص": يعني هذا العلم لفظُهُ من حيث المفهوم، والمعنى لم يخص بالفقه يعنى لا يُعتبرُ مقصورا على علمِ الفقه لأنه سبق أن العلم أُخذَ جنسا في حد الفقه نعم، والفقه علم كل حكم شرعي وعند المناطقه أن المحدود والحد الذي هو الجنس لابد أن يكون بينهما علاقة، وهي العموم والخصوص المطلق بمعنى أنهما يجتمعان في مادة وينفرِد أحَدُهُما عنِ الأخر في مادة أخري، والأخص لا ينفرد عن العام ألبته، والأعم ينفرد عن الأخص بصورة لا يَشْرَكُه فيها الأخص ... إذا قيل: بين العلم، والفقه العموم والخصوص المطلق فكل فقه علم - حينئذٍ - لا يمكن أن يوجد الفقه ولا يَكُونُ علما .... هل يُتَصور أن يوجد الفقه، ولا يكون علمًا؟ ..."لا". إذًا لا يوجد الأخص إلا ومعه الأعم، لكن هل يتصور أن يوجد العلم، ولا يكون فقها؟ ..."نعم". التفسير هذا علم، وليس بفقه. إذًا انفرد بصورة لا يَشرَكُه فيها الأخص، ولذلك نقول: