إذًا: الاعتقاد تعلق به خطاب الله - تعالى - , فبين حكمه من حيث الإيجاب وعدمه , كذلك القول تعلق به خطاب الله - تعالى - فمنه ما هو واجب، ومنه ما هو محرم، وكل ما سبق , كذلك الفعل منه ما هو واجب، ومنه ما هو حرام، ونحو ذلك.
إذًا هذه الأنواع الثلاثة التى هى صادرة عن المكلف كل واحد منها تعلق به خطاب الله - تعالى - , ولذلك ابن القيم - رحمه الله - تعالى - في مدارج السالكين يقول:
"تدور رحى العبودية على خمس عشرة قاعدة من كملها كمل مراتب العبودية": وبين ذلك بأن المحال التى هى محل للتعبد ثلاثة أنواع وهى: القلب، واللسان، والجوارح. هذه ثلاثة، والأحكام الشرعية التكليفية كم؟ خمسة , خمس في ثلاث بخمس عشرة قاعدة.
يقول: من كملها كمل مراتب العبودية لأن القلب من حيث الاعتقاد وقول القلب تجرى عليه الأحكام الخمسة فمنه ما هو واجب، ومنه ما هو حرام ... كذلك قول اللسان تدور عليه الأحكام الخمسة وكذلك عمل الجوارح , إذًا"ما"نفسرها بماذا؟ ... بفعل المكلف , شىء إذاجعلته نكرة , الذي يعنى فعل المكلف فيدخل فيه: اعتقاد طلب الشارع فعله طلبا جازما , قول طلب الشارع فعله طلبا جازما , عمل بالجوارح والأركان طلب الشارع فعله طلبا جازما.
إذًا كل ما يصدر عن المكلف فهو داخل في قولنا:"ما طلب الشارع فعله"، الشارع: اسم فاعل من شرع، وهل هو وصف أم خبر؟ إن قلت: وصف حينئذ نحتاج إلى أن يكون لفظ الشارع واردًا في الكتاب، والسنة كالعليم والسميع والخالق ونحو ذلك.
هل ورد في الشرع لفظ الشارع؟ ... الجواب:"لا". بينما هو مأخوذ من قوله: {شرع لكم من الدين مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} الشورى: 13 شرع: فعل ماض، واسم الفاعل منه شارع , فيخبر عن الله - تعالى - بأنه شارع من باب الخبر .. لا من باب الصفات كما هو معلوم أن باب الأخبار أو الإخبار أوسع من باب الصفات , وباب الصفات أوسع من باب الأسماء.
إذًا:"ما طلب الشارع": المراد به الرب - جل وعلا - في كتابه العظيم ونبيه - صلى الله عليه وسلم - في سنته الصحيحة."ما طلب الشارع فعله": يعنى إيجاده. يكون معدوما ثم بعد ذلك يوجد , كأن من شرط التكليف أن يكون المكلف به معدوما , وأما الموجود فلا تكليف به , لأنه من باب تحصيل الحاصل ,"ما طلب الشارع فعله": خرج ماذا؟ .. ما طلب الشارع تركه، وهو المحرم والمكروه، والمباح يخرج أو لا يخرج؟ خارجا لأنه:"ما سوي الشارع بين فعله وتركه", إذًا بقوله:"ما طلب الشارع فعله": خرج المحرم، والمكروه، والمباح. ماذا دخل معنا؟ المندوب لأن الشارع طلب فعله.
"طلبا جازما": طلبا: هذا مفعول مطلق لقوله:"ما طلب", وهو مفعول مطلق مبين للنوع , لأنه موصوف بقوله:"جازما".