"فإنه في حقه مباح": فإنه: أي ذلك الفعل الذي فعله على جهة الجبلة، والعادة في حقه - عليه الصلاة والسلام -"مباح": لأن هذا هو أصل الفعل، وأما في صفته فهذا فيه تفصيل عند بعضهم فقد قال بعض المالكية يحمل على الندب، وقيل على الإباحة أيضا،"وفعله أيضا لنا يباح": إذا ما فعله على وجه الجبلة، والعادة"مباح في حقه": - عليه الصلاة والسلام - وفي حق أمته وأولى أن نقول بالتفصيل نقول الأفعال الجبلية التي ثبتت عنه كغيره كالقيام والقعود والأكل والشرب فهذه قيل: لا حكم لها لأنه ليس من باب التكليف فلم يقصد به التشريع، وهذا هو المشهور عند الأصوليين أن أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - التي ليست من قبيل القربة هذه حكمها أنها ليست من باب التكليف بمعنى أنه لم يأتِ - عليه الصلاة والسلام - لبيان التشريع في هذه الأفعال ما كان جبلي ففعله من جهة الجبلة والفطرة كالأكل والشرب والنوم هو سينام؟ .... سينام لأنه بشر، وسيأكل لأنه سيجوع، وينكح لأنه سيفتقر إلى ذلك، والأكل، والشرب قالوا: لا حكم له، وهذا هو المشهور عند جماهير الأصوليين لأنه لا يقصد به التشريع، ولم نُتعبد به يعني لم يطالبنا الرب - جل وعلا - بالتأسي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك لذلك نصب إلى الجبلة، وهي الخلقة .. هذا هو المشهور، وقيل: يندب التأسي به في ذلك حتى في القيام والقعود فتقوم ولك تنوي التأسي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه قام وتنام لأجل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نام - حينئذ - تأجر من جهة التأسي به في ذلك، وعزاه أي الندب عزاه أبو إسحاق الإسفراييني إلى أكثر المحدثين أنه لا تفصيل بين القربة، وبين غيره فالكل يكون فيه مستحبا أو مستحب فيما فعله على جهة التقرب والطاعة، وكذلك فيمل فعله على جهة الجبلة والعادة، ولكن يفرق بينهما أن الأول ما فعله على جهة الطاعة والتقرب والتعبد هذا مما يدعى الناس إليه يعني تعلو المنبر وتبين للناس فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه فعله على جهة التقرب، وأما ما فعله على جهة الجبلة والعادة فإنه لا يدعى الناس إليه لأنه لم يدعوا الناس إليه، وإنما تفعله وتتأسى به لعموم قول الله - تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} الأحزاب: 21 - حينئذ - تفعله على جهة التأسي، وتثاب من جهة الندب لكن لا تدعوا الناس إلى ذلك، وورد عن ابن عمر:
"أنه كان يلبس النعال السبتية - هذا نعل يلبسه كالعادة ويصبغ بالصفرة - فسئل عن ذلك فقال وأما النعال السبتية فإني رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يلبس النعال التي ليس فيها شعر، ويتوضأ فيها فأنا أحب أن ألبسها - إذًا ابن عمر ثبت أنه تأسى بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك - وأما الصفرة فإني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصبغ بها فأنا أحب أن أصبغ بها"... رواه البخاري.