الذهن . وهذه طريقة متبعة إلىوم في شتى المجالات الثقافية , على أنها خطوة أولية لا غنى لكل باحثٍ عنها . غير أن الباحثين إلىوم يستعملون لهذا الشأن ( نظام البطاقات ) , فهل كان الحافظ يجمع مادته العلمية على بطاقات ؟.
هذا أمر مستبعد بالنسبة لذلك العصر مع ارتفاع ثمن الورق وعدم ملاءمته لهذا الغرض , ولكن الظاهر أنه كان يكتب ما يجمعه على كراريس دون ترتيب , ثم عندما يشرع في التصنيف يستعين بذاكرته في استخراج هذه المادة من الكراريس , أو بإشارات مكتوبة على طريقة الفهرس . ولو كانت استعملت"البطاقات"في ذلك العصر لوصلنا شيء منها .
والحافظ في جميع ذلك يرجع إلى الاصول في كل فرع من الفروع , إنْ في الأحاديث , أو في اللغة , أو في الطب , ولا يكتفي بالكتب المتأخرة , بل لا يرجع إليها إلا لفائدة , أو لضرورة ملحة , أو لزيادة خبر , أو لغير ذلك , بعد أن يكون قد استنفد الأصول .
ومن أمثلة ذلك ورود لفظة"إخوانكم"بدل"أعدائكم"في قوله _ صلى الله عليه وسلم _ في الحديث:"وخز أعدائكم من الجن"؛ فهو يقول:"وقد راجعت كتاب أبي عبيد في"غريب الحديث". ثم كتاب أبي محمد بن قتيبة في ذلك ؛ وهو كالذيل على كتاب أبي عبيد . ثم كتاب أبي سليمان الخطابي في ذلك ؛ وهو كالذيل على كتاب ابن قتيبة . ثم كتاب قاسم بن ثابت السَّرْقسطي في ذلك , وهو كالذيل على كتاب ابن قتيبة أيضًا, فلم أره فيها أصلًا , ولا في"الفائق"للزمخشري , وكذلك"غريب الحديث"لإبراهيم الحربي ؛ وهو أوسع هذه الكتب كلها , ومع ذلك ما أكمله , فلم أجده فيه" ( ق 28/ب) .
وهو يتحرى في كل ذلك الدقة , ويتحرى صحة النسخ التي يتعمدها ما أمكن ؛ ففي صدد بحثه عن لفظة"إخوانكم"المذكورة , يرجع إلى أكثر من نسخة صحيحة من"مسند"الإمام أحمد , لأن بعضهم نسبها للمسند (ق27/أ_ وما بعدها ) . ويعزو الخطأ في أحد الأسانيد الواردة في"المعجم الأوسط"