للطبائعيين أولًا (1) ؛ فقالوا بتأثير الأشياء بعضها في بعض , وسموا المؤثر طبيعة . و للمعتزلة ثانيًا في أفعال الحيوانات , و قالوا: إن قدرتهم مؤثرة فيها بالإيجاد , و أنهم الخالقون لأفعالهم , مستقلون باختراعها . و استند الطائفتان إلى المشاهدة الحسية , و ربما نسبوا منكر ذلك إلى إنكار البديهة , و هو غلط . و سببه التباس إدراك الحس بإدراك العقل ؛ فإن الذي شاهدوه إنما هو [ 100/ أ ] أثير شىء عند شىء آخر , و هو حظّ الحسّ .
أما تأثيره فيه , فلا يدرك حسًا بل عقلًا , و الله أعلم .
قلت: فالمحصل من المذاهب في العدوى أربعة:
الأول: أن المرض يعدي بطبعه صرفًا ؛ و هذا قول (2) الكفار .
الثاني: أن المرض يعدي بأمر خلقه الله فيه و أودعه فيه , لا ينفك عنه أصلًا , إلا إن وقع لصاحبه معجزة أو كرامة فيختلف . وهذا مذهب إسلامي , لكنه مرجوح .
الثالث: أن المرض يعدي , لكن لا بطبعه , بل بعادة أجراها الله تعالى فيه غالبًا ؛ كما أجرى العادة بإحراق النار . و قد يختلف ذلك بإرادة الله تعالى , لكن التخلف نادر في العادة .
الرابع: أن المرض لا يعدي بطبعه أصلًا , بل من اتفق له وقوع ذلك المرض , فهو بخلق الله سبحانه و تعالى ذلك فيه ابتداءً . و لهذا ترى الكثير
ممن يصيبه المرض الذي يقال أنه يعدي ، يخالطه الصحيح كثيرًا و لا يصيبه شىء , و ترى الكثير ممن لم يخالط صاحب (3) ذلك المرض أصلًا , يصيبه ذلك المرض , و كل ذلك بتقدير الله تعالى .
ــــــــــــــ
(1) في الأصل: و إلا - وهم من الناسخ , صوابه في باقى النسخ .
(2) في الأصل: تراه - تحريف , صوابه في ف , ظ .
(3) ف: صاحبه .