و حاصله أن دعاءه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأمته بذلك ، لا يستلزم منع الدعاء برفع الطاعون إذا وقع ، فينزل طلب الوقوع (1) على أن يقع ذلك لمن انقضى أجله ، بأن يموت به ، لتحصل له درجة الشهادة بأحد الأمرين . و ينزل طلب الرفع على أن لا يقع ذلك عامًا ، فيموت الجمع الكثير في الزمن اليسير ، فيقع بسبب ذلك من خراب غالب البلد ، و تعطيل كثير من المعايش و شماتة عدو الدين ، ما لا يتوقف العالم عن الدعاء برفعه .
فكونه نازلة إنما جاء من إصابته للجمّ الغفير في الزمن اليسير ، بخلاف ما لو وقع الموت به لواحد بعد واحد . و كونه رحمة ، و من يموت به يكون شهيدًا ، لا يدفع كونه نازلة ؛ كما أن العدو إذا نزلوا (2) بلد المسلمين ، فإنه لا يُتوقف [ عن ] (3) الدعاء للمسلمين بالسلامة و النصر على أعدائهم ، و إن كان من يموت بأيدي العدو حينئذ يكون شهيدًا لا محالة .
و إلى هذا الجواب نحا تاج الدين السبكي ، ثم قال: هذا من [94/أ] حيث الدعاء برفعه مطلقًا عن أهل البلد ، و أما دعاء الشخص / الخاص لنفسه بأن لا يقع ، فلا يظهر لي فيه محذور ؛ فإنه يسأل أن لا ينزل به عاهة و يعينها ؛ فكأنه قال: لا تسلط علي فلانًا الظالم . و قد دعا النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأنس بطول العمر ، و الخبر بذلك ثابت في"الصحيح"؛ و هو صريح في جواز الدعاء بطول العمر . و يؤخذ من قوله تعالى: { وَ أَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إليه يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } (4) .. إلى غير ذلك .
ــــــــــــــــ
(1) في الأصل: الرفع ، مكان: الوقوع ، و لا يتجه الكلام به ، فأثبت ما في ف ، ظ .
(2) ف ، ظ: نازلوا .
(3) من ف ، ظ .
(4) هود: 3 .