و أيضًا لو توارد الناس على الخروج ، لبقي من وقع به عاجزًا عن الخروج ، فضاعت [ مصالح ] (1) المرضى ، لفقد من يتعهدهم ، و الموتى لفقد من يجهزهم (2) . و لما في خروج الأقوياء على السفر من كسر قلوب من لا قوة له على ذلك . و قد قيل في الحكمة في (3) شدة / [ 88 / أ ] الوعيد على الفرار من الزحف: لما فيه من تخويف الباقين و إزعاجهم ، و خذلان من كان مستمرًا [ في القتال ] (4) .
و قد جمع الغزالي في"الإحياء"بين الأمرين ، فقال: الهواء لا يضرّ من حيث ملاقاته ظاهر البدن ، بل من حيث دوام الاستنشاق ، فيصل إلى الرئة و القلب فيؤثر فيهما ، و لا يظهر على الظاهر إلا بعد التأثير في الباطن . فالخارج من البلد الذي يقع به ، لا يخلص غالبًا من الأمر الذي استحكم من قبل ، و لكنه يتوهم الخلاص ، فيصير من الأوهام القادحة في التوكل . ثم انضاف إلى ذلك ، أنه (5) لو رخّص للأصحاء في الخروج ، لما بقي من يتعهد المرضى ، و تضيع مصالحهم .
و منها: ما تقدم من أن الخارج يقول: لو لم أخرج لمت ، و يقول المقيم: لو خرجت كما خرج فلان لسلمت ، فيقع في الـ"لو" (6) المنهي عنها . و إلى هذا مال ابن عبد البر فقال: النهي عن الخروج للإيمان بالقدر ، و النهي عن القدوم لدفع ملامة النفس . و نقل عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: الطاعون فتنة للمقيم و للخارج عنه ..
ـــــــــــــــ
(1) من ف ، ظ .
(2) ف: يخرجهم .
(3) ف: على ـ أظنها تحريفًا .
(4) من ف ، ظ .
(5) ظ: ما ، مكان: أنه ، و لها وجه .
(6) في الأصل: اللوم ـ تحريف .