فمقتضى هذا الحديث بمنطوقه و مفهومه: أن أجر الشهيد إنما يكتب لمن لم يخرج من البلد الذي يقع به الطاعون . و أن يكون في حال إقامته قاصدًا بذلك ثواب الله ، راجيًا صدق موعوده . و أن يكون عارفًا أنه إنْ وقع له فهو بتقدير الله ، و إن صرف عنه فهو بتقدير الله .
و أن يكون غير متضجر به أن لو وقع به ، فإذا وقع به فأولى أن لا يتضجر (1) . و أن يعتمد على ربه في حالتي صحته و عافيته . فمن اتصف بهذه الصفات - مثلًا - فمات بغير الطاعون ، فإن ظاهر الحديث أنه يحصل له أجر الشهيد .
وقد قلنا: إن درجات الشهداء متفاوتة ، ويكون كمن خرج من بيته على نية الجاهد في سبيل الله بشرطه ، فمات بسبب آخر غير القتل ، كما تقدم صريحًا . ويؤيده الرواية السابقة في حديث أبي هريرة عند مسلم ، بلفظ:"و من مات في الطاعون فهو [ شهيد ] (2) ". و لم يقل: ( بالطاعون ) ، فإن ظاهرها (3) شاهد لما قلناه . وإن كان يحتمل أن تكون"في"للسببية كالباء ، فإنه قال في نفس الحديث:"و من مات في البطن (4) فهو شهيد". و معلوم أن المراد به المبطون (5) نفسه . ويحتمل أيضًا أن تكون"في"للظرفية ، على بابها ، لكن جرى على الغالب ، فإن الموت في زمن الطاعون إنما يكون بالطاعون غالبًا . لكن يحتمل أيضًا أن تكون"في"استعملت في الحديث للسببية و الظرفية معًا .
و يتفرع من هذا: أن من اتصف بالصفات المذكورة ، وذهب /
[ 49 /ب ]
الطاعون و لم يمت به و لا في زمنه ، هل يكون شهيدًا أو لا ؟ .
ــــــــــــــ
(1) ظ: لا ضجر - تحريف .
(2) من ظ ، ف .
(3) ظ: ظاهره - تحريف ، فالضمير يعود على"الرواية".
(4) في الأصل: الطعن ، والتوجيه من ف ، ظ .
(5) في الأصل: المطعون ، و التوجيه من ف ، ظ .