الشهيد له أعمال صالحة ، وقد كفرت الشهادة أعماله السيئة غير / حقوق [32/ أ ] العباد ، فإن أعماله الصالحة تنفعه في موازنة ما عليه من الحقوق والتبعات، فيوفي ما عليه من أعماله الصالحة بمنِّ الله ورحمته.
ولا يلزم من حصول الشهادة سقوط حقوق العباد ، فإن عدم بقاء شئ من التبعات على السالم من الدَّين ، إنما هو من ضرورة الواقع لا مِنْ جزاء الشهادة . ومثال ذلك أن بعض خواصِّ الملك لو ظَلَمَ آخر من أَخِصّائِهِ ـ مثلًا ـ فاقتص الملكُ منه للآخر حقَّهُ ، لم ينافِ ذلك إكرامَهُ (1) لمن اقتصَّ منه . بل الواقع أن كثيرًا منهم يبالغ في إكرام [ بعض ] (2) أخصّائه ويستوفي مع ذلك منه حق مَنْ ليس من أخصّائه ؛ إيثارًا للعدل ومحبةً في الإنصاف . فكيف بمن { لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا } (3) .
وعرف بهذا التقرير أن فائدة الاستثناء في قوله:"إلا الدَّيْن"الإشارة إلى التفرقة بين من لا تبعة عليه ؛ فلا يعوقه شئ عن التنعّم بثواب الشهادة ، وبين من عليه تبعة ؛ فيتعوق ويتنغص بسبب التبعة (4) إلى أن يوفيها لصاحبها .
ويؤيد ذلك حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ"إذا خلص المؤمنون ـ يعني من الصراط ـ حُبِسوا قنطرة بين الجنة والنار ، يتقاضون مظالم كانت بينهم في الدنيا ، حتى إذا هُذِّبوا ونُقُّوا ، أُذِن لهم في دخول الجنة .."الحديث . متفق عليه .
فلا شك أن مرتبة هؤلاء الذين يُحبسون عند القنطرة دون مرتبة مَن يؤذن له في دخول الجنة بغير تعويق .
ــــــــــــــ
(1) في الأصل: كرامة ، و الصواب في باقي النسخ .
(2) من ظ ، ف ، ع .
(3) النساء: 40 .
(4) ظ: التبعية ـ تحريف .