عددًا من رجالهما، وأصاب أهل المدينة بالقلق والخوف والاضطراب. ويبدو أن هذه الحادثة كانت درسًا قاسيًا للأمير شيحة، أقنعه بالابتعاد نهائيًا عن الصراع بين الأيوبيين والرسوليين على مكة، ولم يعد يتدخل في شؤونها رغم عودة الصراع واستمراره حتى نهاية عصر الأيوبيين (1) وتفرغ الأمير شيحة لأمور المدينة ثانية، واهتم بتقوية سورها وتحسين مرافقها، وفي الوقت نفسه اهتم بتأديب الأعراب الذين هاجموا المدينة، والذين ناصروا ابن عمه عميرًا وبخاصة بعض فروع بني لام، المقيمين في ضواحي المدينة وامتداداتها على طريق العراق، وقد سيطر الرسوليون على مكة إثر خروج الأمير شيحة منها وانسحاب الجيش المصري بعده (2) . وفي عام 647 هـ خرج الأمير شيحة مع عدد قليل من رجاله إلى العراق لزيارة الخليفة المستعصم بالله آخر الخلفاء العباسيين، فعلم بخروجه الحانقون عليه من بني لام فلحقوا به وأدركوه غير بعيد عن المدينة وقتلوه (3) ، وفر أصحابه إلى المدينة يحملون إلى أهلها نعي أميرهم الذي امتدت إمارته قرابة ربع قرن من الزمان، كان فيها فترات طويلة من الهدوء والسكينة وفترات قليلة من الاضطراب والقلاقل..
الأمير عيسى والمنافسون: كان عيسى بن شيحة نائبًا عن أبيه على المدينة، فلما بلغه النعي تلقى العزاء بوالده وتلقى معه البيعة بالإمارة، فقد عرفه أهل المدينة في فترات غياب أبيه متوليًا الإمارة ومدبرًا لشؤون المدينة. ويذكر صاحب التحفة أن الجمامزة طمعوا في انتزاع الإمارة من عيسى، (وجاء منهم جماعة على حين غفلة للاستيلاء عليها ففطن بهم عيسى وقبض عليهم، ويقال أنه قتلهم(4) .
(1) انظر مثلًا: العقد الثمين 1/ 175 ـ 177.
(2) إتحاف الورى 3/ 56 ـ 57.
(3) التحفة اللطيفة 2/ 225 والعقد الثمين 5/ 24.
(4) التحفة اللطيفة 2/ 226.