فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 375

فقد كان فيه خلافتان متنافستان، الخلافة العباسية في بغداد، والفاطمية في القاهرة، وقد ورثتا من القرن الخامس صراعات طويلة على بلاد الشام والحجاز، تغلغل خلاله الفاطميون في بلاد الشام (1) ، وسيروا الجيوش إلى مكة والمدينة وألحقوها بهم، وخطب لهم على المنابر (2) ، ثم استعاد العباسيون بلاد الشام، وأعيدت الخطبة لهم في الحرمين (3) ، ولأسباب كثيرة ضعف منصب الخليفة في كل منهما، وتحكم في شؤون الدولة وزراء متنفذون، ففي بغداد كان السلاجقة يمسكون بزمام الأمور ويتخذون لقب ملك أو سلطان، ويتدخلون في تعيين الأمراء والولاة وقد يخلعون الخليفة ويسجنونه (4) ، وفي القاهرة كان كبير الوزراء يستبد بالسلطة، ويتدخل في كل صغيرة وكبيرة، حتى اختيار الخليفة (5) . ورغم توقف الحرب بين الخلافتين فإن عددًا من الإمارات المتجاورة كانت في صراع مع بعضها بعضا، فأمير الموصل في صراع مع أمير واسط وأمير دمشق يشن حملات على أمير حلب … وهكذا

والصليبيون الذين اقتحموا ساحل بلاد الشام أواخر القرن الهجري الخامس وأقاموا إمارات حربية في أنطاكية والرها وطرابلس والقدس يتفاقم خطرهم ويدقون أبواب دمشق ودمياط ويهددون حلب والموصل وينشرون حصونهم في القرى التي يستولون عليها بين الحين والآخر والخلافتان ومعهما الإمارات المتناحرة، لا تستطيع أن تفعل شيئًا لضعفها، وانشغال كثير من قادتها في تحقيق مطامع شخصية صغيرة، وقد يبلغ الأمر ببعضهم أن يستعين بالصليبيين ضد أمير مسلم إذا شعر بأن سلطته في خطر..

تلك هي الصورة العامة، ظروف صعبة ومحن متوالية..

غير أن المحن تحمل في طياتها أحيانًا بوابات إلى الفرج وبداية التغيير فيظهر في قلبها رجال متميزون، يعملون بجهد ودأب هائلين ليتغلبوا عليها.

(1) التاريخ الإسلامي 6/ 166.

(2) السابق 6/ 167.

(3) الكامل 8/ 107.

(4) انظر: البداية والنهاية 12/ 233.

(5) تاريخ الإسلام 4/ 229 ـ 230.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت