وفى مقدمتها إمارة الزنكيين ــ مشغولة بمواجهات مستمرة. هذه الظروف الصعبة جعلت أمن المدينة والطريق إليها مسؤولية أمير المدينة وأهلها، ولم تكن الحالة المادية تساعدهم على تشكيل جيش يواجه القبائل المنتشرة حولها، فقد كانوا في بعض الحالات يعجزون عن توفير احتياجات الإمارة نفسها، ومع مرور السنوات تفاقمت مشكلة الأعراب وسكان البادية القريبين من طريق الحج، وتحولت إلى مشكلة تاريخية لم يحسن أحد من الحكام السابقين حلها. وعلى العكس من ذلك كان الحل الخطأ الذي بدأه الفاطميون تعقيدا للمشكلة. فقد عمدوا إلى دفع مبالغ مرضيه للقبائل الساكنة في طريق الحج كي لا يتعرضوا لقافلة الحج المصرية، فكان هذا أشبه بمخدر محدود الفاعلية، يهيج المشكلة بشكل أعنف بعد انتهاء مفعوله، ويغري الأعراب بمعاودة الكرة، بل يجعلهم كالمدمنين، لابد لهم من جرعات تالية ومتوالية إلى ما لا نهاية. وهذا ما حدث في القرون التالية. فقد وجد الأعراب في المبالغ المدفوعة دخلا مربحا، لايكلفهم عناء العمل، ولاحتى القتال والضحايا. يكفى أن يهددوا أو يشنوا غارة واحدة على إحدى القوافل، فتكون رسالة قاسية، تصل الأموال بعدها إليهم، وتصبح هذه الأتاوة في عرفهم حقا مشروعا لهم إذا أخل به الطرف الآخر فقد ضيع حقهم ولهم أن يستحلوا دمه وماله.. ، ولاشك أن الجهل المتفشي في الأعراب آنئذ، وحياتهم الصعبة، والسنوات العجاف التي تدهمهم، قد دفعتهم إلى هذا السلوك أول الأمر، لكنهم مالبثوا أن امتهنوه، فصار النهب أو الإتاوة دخلا شرعيا عندهم سواء كانت السنون عجافا أو مخصبة، وقابل الخلفاء والحكام هذه الظاهرة بحل سطحي لا يصل إلى الجذور، فكان الغيور منهم يجرد حملات تأديبية قوية، تطارد الأعراب وتبطش بمن تصل إليه، كما جرى في الحملة التى أرسلها الخليفة الواثق بقيادة بغا الكبير سنة 230 هـ (1) . ولم يفكر أحد في إيجاد حل
(1) انظر: تاريخ الطبرى 9/ 129.