المحور الثاني في الحياة الثقافية في المدينة المنورة هو العلماء ومؤلفاتهم ذلك أن العلماء هم الذين يحركون عجلة الثقافة، ويمنحونها صفة الإبداع أو التقليد، وبقدر ما يكون في المجتمع ـ أي مجتمع ـ من العلماء المبدعين بقدر ما تنشط ثقافته وتتطور. وإذا غاب هؤلاء أو قلوا تجمدت الحياة الثقافية أو تحولت إلى حركة تقليدية تعيش على تراثها القديم في أحسن الأحوال ولا تضيف له شيئًا، وربما تسيء التعامل مع ذلك التراث وتصبح جامدة متخلفة.
وفي القرون الأربعة التي يدرسها البحث يتفاوت ظهور العلماء المبدعين من جيل إلى جيل، فتراه يقل حينًا ويزداد حينًا آخر، ويشتد في جيل ثالث فتعج المدينة بالعلماء، وتكثر فيها المؤلفات المنسوخة والمكتوبة لأول مرة وتصبح مركزًا ثقافيًا متميزًا.
وثمة عامل مؤثر في هذه القضية تتميز به المدينة ومكة.. هو المجاورة، ففي بعض السنوات يفد إلى المدينة علماء مشهورون، ليقيموا فيها بضع سنوات أو إلى آخر حياتهم ويواصلوا عطاءهم العلمي في مستقرهم الجديد، مستشعرين بقوة روحية تعينهم على مزيد من الإبداع فيجلس بعضهم في المسجد النبوي.. ويجتهد بعضهم الآخر في أن يجد موقعًا دائمًا له في الروضة الشريفة ليكتب هناك. ويلتقي العلماء من أنحاء العالم الإسلامي، ويتحاور بعضهم في قضايا مختلفة، ويأخذ بعضهم من بعض، ويقرأ بعضهم على بعض.. فتنفتح آفاق جديدة وثرية من الإبداع. ونجد في العلماء الذين عاشوا في المدينة، سواء كانوا مولودين فيها، أو جاؤوا من بلاد أخرى وأقاموا فيها، فئتين: