فهرس الكتاب

الصفحة 197 من 375

أصيب أهل المدينة بالذهول وهم يرون هول النار، ولم يسبق لهم أن رأوا مثلها في الضخامة والشدة، وفزع كثيرون، وأخلى سكان البيوت المجاورة منازلهم وهرب بعضهم من باب البقيع وبعضهم من باب المصلى، وأجهش الكثيرون بالبكاء وهم يرون ألسنة النار تحيط بالمسجد من كل صوب (1) ، ومالبث معظم السقف أن انهار تمامًا وملأ الردم أرض المسجد فأطفأ النار الملتهبة بالبسط وغطى الركام كل شيء، ثم بدأت ألسنة النار تتضاءل وتخبو، لتخلفها أعمدة من الدخان تتناقص تدريجيًا. ومع انبلاج الفجر لم يبق سوى ألسنة صغيرة متفرقة من اللهب، تنسكب فوقها الدلاء وقرب الماء فتتحول إلى أعمدة صغيرة من الدخان، واكتشف المحيطون بالمسجد أن قبة الحجرة النبوية والسقف السفلي سليمان، رغم أن الدخان وألسنة صغيرة متقطعة من النار تظهر أحيانًا من الردم الذي سقط عليها ثم تختفي، فأسرعوا إليها بالدلاء وأطفأوها، وصلى الناس الصبح في الساحة خارج المسجد جماعات متفرقة، ثم عادوا إلى المسجد الذي خمدت فيه النار نهائيًا لينقلوا الجثث المحترقة والمختنقة، واشتغل بعضهم بإزالة الركام من الحجرة النبوية، ثم أخذوا ينقلون الردم من مقدمة المسجد إلى مؤخرته، وعمل في ذلك أمير البلدة والقضاة والأشراف وعامة الناس حتى النساء والأطفال تقربًا إلى الله تعالى (2) واستمر العمل، يتناوب فيه أفواج متوالية من أهل المدينة حتى المساء، وتواصل في اليومين التاليين، حتى أمكن نقل الردم كله وتنظيف موقع الروضة الشريفة والمصلى، وعملوا لبعض أبواب المسجد فتحات يدخل منها المصلون، وسدوا الأبواب الأخرى، ونصب الخدام خيامًا في المسجد ليظلل المصلين، وجاء بعض الناس بأسرجة وقناديل فعلقوها على الجدران وأوقدوها لصلوات العتمة، ثم بدءوا بتنظيف ماسقط حول الحجرة وداخلها، فوجدوا الردم قد حمى معظم مقتنياتها، فأخرجوها، وبنوا على الحجرة جدارًا من الآجر موضع

(1) السابق 2/ 635.

(2) السابق 2/ 636 ـ 637.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت