بنار السقف وتعجز الدلاء المسفوحة عن إيقافها، ثم بدأ السقف يتهاوى، وعلقت النار بعدد من الرجال الذين يحاولون إطفاءها دون جدوى، فأسرع إليهم إخوانهم ليخلصوهم منها، وارتفع أزيز اللهيب من أطراف السقف كله ولم يعد أحد يستطيع الوصول إلى أعلى المسجد، وصار الناس يسفحون الماء من الجوانب والنار تستعر داخل المسجد حتى آتت على المنبر والشبابيك الخشبية ورؤوس السواري، ووقع السقف الذي على أعلى الحجرة على سقف بيت النبي صلى الله عليه وسلم فوقع جميعًا في الحجرة الشريفة وعلى القبور المقدسة (1) وتلف جميع محتويات المسجد الشريف: المنبر النبوي والأبواب والخزائن والشبابيك والمقاصير والصناديق، وما اشتملت عليه من كتب وكسوة الحجرة (2) ومات الفراش المسكين متأثرًا بحروقه الشديدة، وتأذى عدد من الذين أمسكت بهم النار، ولم يسلم من النار إلا مستودع صغير على شكل قبة أشبه بخزانة كبيرة كروية بني زمن صلاح الدين الأيوبي وسط المسجد النبوي لتوضع فيه ذخائر الحرم، مثل المصحف العثماني وصناديق من منتصف القرن الرابع الهجري (3) . جرت كل هذه الأحداث بسرعة مذهلة، وبهت الناس وصاروا في كمد عظيم، فهذه أول مرة في تاريخ المسجد النبوي يصيبه الحريق، والمدهش أن البركان الذي ثار قبل شهرين وأفزع الناس، لم يصل منه شيء إلى المسجد النبوي. وكان اليوم التالي يوم الجمعة، وأول جمعة في رمضان، وعز على أهل المدينة ألا يصلوا في المسجد النبوي، لذلك تقاطروا صباحًا إليه وعزلوا ناحية منه ونظفوها من الركام وصلوا فيها والحزن يعصر قلوبهم (4) .
(1) وفاء الوفا 2/ 600 ـ 601.
(2) وفاء الوفا 2/ 599
(3) وفاء الوفا 2/ 600
(4) وفاء الوفا2/ 601،وانظر أيضًا عقود الجمان 1/ 128، الذيل على الروضتين ص194، ذيل مرآة الزمان 1/ 10 النجوم الزاهرة 7/ 36، البداية والنهاية 13/ 205 ـ 206.