التقويم:
مسألة عصمة الأنبياء مسألة طويلة الذيل، متشعبة المسالك، والخلاف جار في كثير من فروعها، وبسطها هنا خروج عن المقصود (1) ؛ ولهذا سأكتفي بعرض مذهب أهل السنة والجماعة فيها بإيجاز، ثم تقويم رأي ابن حجر وفقًا له، وفيما يلي بيان ذلك:
العصمة عند أهل السنة والجماعة هي -كما سبق- (2) :"حفظ الله تعالى للمعصوم من النقائص والعيوب، وتخصيصه بالكمالات النفسية، مع قدرته على الخير وضده".
فقولهم:"حفظ الله تعالى للمعصوم، احتراز من قول القدرية (3) القائلين بأن العبد يخلق فعل نفسه، وأن العصمة إنما هي فعل النبي لا فعل الله، ومن ثم عرفوا العصمة بأنها ألطاف صارفة للنبي عن المعاصي، وهي ما يخطر بباله من ذكر الوعد والوعيد ومن ذكر كونه نبيًّا ونحو ذلك (4) ."
وقولهم:"مع قدرته على الخير والشر"احتراز من قول الجبرية (5)
(1) انظر: تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة (ص 402 - 406) ، الشفا (2/ 745) ، الفصل (4/ 5) ، عصمة الأنبياء للرازي (ص 26 - 36) ، شرح صحيح مسلم (5/ 53 - 55) ، مجموع الفتاوى (4/ 319 - 320) (10/ 289 - 293) (15/ 148) ، منهاج السنة (1/ 470) ، لوامع الأنوار البهية (2/ 303 - 305) ، أضواء البيان (4/ 522 - 523، 538) ، إعلام المسلمين بعصمة النبيين لعزوز المكي (ص 15 - 29) ، وللاستزادة: عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام د. يوسف السعيد، العصمة في ضوء عقيدة أهل السنة والجماعة لمنصور التميمي، حقوق النبي -صلى الله عليه وسلم- د. محمد التميمي (1/ 126 - 160) .
(2) انظر: (ص 379) .
(3) القدرية اسم عام يجمع كل من ينفي القدر وهم طائفتان: منهم من ينفي العلم عن الله وهم القدرية الغلاة وقد انقرض هؤلاء، ومنهم من ينفي الإرادة عند الله وهم القدرية غير الغلاة من المعتزلة ومن وافقهم من الشيعة والإباضية وكلهم مجمعون على أن العبد يخلق فعل نفسه، وأن الله لا يخلق أفعال العباد. انظر: التنبيه والرد (ص 176) ، الفرق بين الفرق (ص 114) ، الفصل (3/ 22) ، التبصير في الدين للإسفرايني (ص 53) .
(4) انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار (ص 781) ، أوائل المقالات (ص 156) .
(5) الجبرية اسم عام يجمع كل من ينفي حقيقة الفعل عن العبد ويضيفه إلى الله تعالى، وهم =