ولما حضر أبا موسى الموت، جمع بنيه فقال:"انظروا إذا أنا مت، فلا تؤذنن بي أحدا ولا يتبعني صوت ولا نار، وليكن ممسى أحدكم بحذاء ركبتي من السرير". ولما أغمي عليه بكت ابنة الدومي أم أبي بردة، فقال:"أبرأ إليكم ممن حلق وسلق وخرق [1] وأغمي عليه، فبكوا عليه، فقال:"أما علمتم ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟"، فذكروا ذلك لامرأته، فسألته، فقال:"من حلق وخرق وسلق". وأغمي على أبي موسى، فبكوا عليه، فأفاق فقال:"إني أبرأ إليكم مما برئ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حلق وخرق وسلق"، وأغمي عليه في مرضه، فصاحت عليه أم بردة، فأفاق، فقال: إني بريء ممن حلق وسلق وشق"، يقول ذلك للخامشة وجهها. وقال:"إذا حفرتم لي، فأعمقوا لي قعره"، وقال:"أعمقوا لي قبري [2] ".
ومات أبو موسى سنة ثنتين وخمسين الهجرية في خلافة معاوية بن أبي سفيان، وقال بعض أهل العلم:"إنه مات قبل هذا الوقت بعشر سنين، سنة ثنتين وأربعين الهجرية [3] . وقيل: مات سنة أربع وأربعين الهجرية [4] ، وقيل: سنة خمسين الهجرية أو سنة اثنتين وخمسين الهجرية [5] ، وأكثر المصادر تتفق على أن وفاته كانت سنة ثنتين وأربعين الهجرية أو سنة أربع وأربعين الهجرية، وهي المصادر القديمة ومصادر المحدثين: القديمة منها قريبة العهد من الذين سجلت سيرهم، والمحدثون الموثوق بهم معروفون بصدقهم ودقتهم."
(1) حلق الرأس: أزال الشعر عنه. سلق: صاح ورفع صوته. خرق: خرق الشيء: شقه ومزقه.
(2) طبقات ابن سعد (4/ 115 - 116) .
(3) طبقات ابن سعد (4/ 116) و (6/ 16) .
(4) العبر (1/ 52) وصفة الصفوة (1/ 228) .
(5) الطبري (5/ 240) وابن الأثير (3/ 471) وانظر البداية والنهاية (8/ 60) .