ويحمد الله ويكبره ويقول: [[لا إله إلا الله، والله أكبر، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحي ويميت، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده] ].ومن أجل تحقيق التوحيد أيضًا كان خير دعاء يوم عرفة أن يقال: [[لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحي ويميت، وهو على كل شيء قدير] ].وفي مناسك الحج وشعائره تربيةٌ للأمة على إفراد الله سبحانه بالدعاء والسؤال والطلب، والرغبة إليه، والاعتماد عليه، والاستغناء عن الناس، والتعفف عن سؤالهم، والافتقار إليهم؛ فالدعاء مشروع في الطواف والسعي، وأثناء الوقوف بعرفة، وعند المشعر الحرام، وفي مزدلفة، كما يشرع الدعاء وإطالته بعد الفراغ من رمي الجمرة الصغرى والوسطى في أيام التشريق.
ثالثًا: تعظيم شعائر الله تعالى وحرماته
قال الله تعالى - بعد أن ذكر أحكامًا عن الحج: ? ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ ? [الحج: 30] .والحرمات المقصودة هاهنا أعمال الحج المشار إليها في قوله تعالى: ? ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ? [الحج: 29] [6] .وقال سبحانه: ? ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ? [الحج: 32] .فتعظيم مناسك الحج عمومًا من تقوى القلوب [7] .وتعظيم شعائر الله تعالى يكون بإجلالها بالقلب ومحبتها، وتكميل العبودية فيها؛ يقول ابن القيم [رحمه الله] : «وروح العبادة هو الإجلال والمحبة، فإذا تخلى أحدهما عن الآخر فسدت» [8] .ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [[لا تزال هذه الأمة بخير ما عظموا هذه الحرمة [يعني: الكعبة] حق تعظيمها، فإذا ضيعوا ذلك هلكوا]] [9] .
رابعًا: محبة الرسول صلى الله عليه وسلم
إن محبة الرسول -صلى الله عليه وسلم- من أجل أعمال القلوب، وأفضل شعب الإيمان، ومحبة الرسول صتوجب متابعته والتزام هديه، وإن التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم أثناء القيام بمناسك الحج سبب في نيل محبته، حيث قال صلى الله عليه وسلم: [[خذوا عني مناسككم] ].وفي اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم- تحقيق لمحبة الله تعالى؛ كما قال سبحانه: ? قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ ? [آل عمران: 31] .
خامسًا: تحقيق الولاء بين المؤمنين والبراءة من المشركين
كم هو محزن حقًا تفرق المسلمين شيعًا وأحزابًا .. وتمزقهم إلى دول متعددة ومتناحرة .. وقد غلبتْ عليهم النعرات الجاهلية المختلفة، وإن فريضة الحج أعظم علاج لهذا التفرق والتشرذم، فالحج يجمع الشمل، وينمي الولاء والحب والنصرة بين المؤمنين، وإذا كان المسلمون يجمعهم مصدر واحد في التلقي - الكتاب والسنة ـ وقبلتهم واحدة، فهم في الحج يزدادون صلة واقترابًا، حيث يجمعهم لباس واحد، ومكان واحد، وزمان واحد، ويؤدون - جميعًا - مناسك واحدة. كما أن في الحج أنواعًا من صور الولاء للمؤمنين: حيث الحج مدرسة لتعليم السخاء والإنفاق، وبذل المعروف أيًا كان، سواء أكان تعليم جاهل، أو هداية تائه، أو إطعام جائع، أو إرواء غليل، أو مساعدة ملهوف. وفي المقابل: ففي الحج ترسيخ لعقيدة البراء من المشركين ومخالفتهم؛ يقول ابن القيم: استقرت الشريعة على قصد مخالفة المشركين لا سيما في المناسك [10] .لقد لبى النبي صلى الله عليه وسلم بالتوحيد، خلافًا للمشركين في تلبيتهم الشركية، وأفاض من عرفات مخالفًا لقريش حيث كانوا يفيضون من طرف الحرم، كما أفاض من عرفات بعد غروب الشمس مخالفًا أهل الشرك الذين يدفعون قبل غروبها. ولما كان أهل الشرك يدفعون من المشعر الحرام [مزدلفة] بعد طلوع الشمس، فخالفهم الرسول صلى الله عليه وسلم، فدفع قبل أن تطلع الشمس. وأبطل النبي صلى الله عليه وسلم عوائد الجاهلية ورسومها كما في خطبته في حجة الوداع، حيث قال: [[كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع] ] [11] .يقول ابن تيمية: وهذا يدخل فيه ما كانوا عليه من العادات والعبادات، مثل: دعواهم يا لفلان، ويا لفلان، ومثل أعيادهم، وغير ذلك من أمورهم [12] .
سادسًا: تذكر اليوم الآخر واستحضاره
فإن الحاج إذا فارق وطنه وتحمل عناء السفر: فعليه أن يتذكر خروجه من الدنيا بالموت إلى ميقات القيامة وأهوالها. وإذا لبس المحرم ملابس الإحرام: فعليه أن يتذكر لبس كفنه، وأنه سيلقى ربه على زي مخالف لزي أهل الدنيا. وإذا وقف بعرفة: فليتذكر ما يشاهده من ازدحام الخلق وارتفاع أصواتهم واختلاف لغاتهم، موقف القيامة واجتماع الأمم في ذلك الموطن [13] .قال ابن القيم: فلله ذاك الموقف الأعظم الذي ... كموقف يوم العرض، بل ذاك أعظم.
نسأل الله تعالى أن يتقبل منا ومن المسلمين صالح الأعمال. وبالله التوفيق,,
المصدر: موقع الشيخ عبد العزيز محمد بن عبد اللطيف.
[1] أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب تقبيل الحجر
[2] فتح الباري، جـ3ص463.
[3] أي: الآثار الصحيحة.
[4] الحجة في بيان المحجة، جـ2 ص435.
[5] الصواعق المرسلة، م4، ص1560، 1561.
[6] انظر: تفسير ابن عطية، جـ4 ص120.
[7] انظر: تفسير الطبري، جـ17 ص157.
[8] مدارج السالكين، جـ1 ص495.
[9] أخرجه ابن ماجة: كتاب المناسك، باب فضل مكة، وقال الحافظ ابن حجر: إسناده حسن؛ انظر: فتح الباري، جـ3 ص449.
[10] تهذيب سنن أبي داود، جـ3 ص309.
[11] أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ح/147.
[12] اقتضاء الصراط المستقيم، جـ1 ص301.
[13] انظر: مختصر منهاج القاصدين، ص48.