وأما الأمر الرابع تحقيقا لهذه التوبة أن تتحلل من المظالم فيما بينك وبين الله، وفيما بينك وبين عباد الله، ويا طوبى لمن دخل هذا الشهر وليست بينه وبين الناس مظلمة، وليس على ظهره حقوق ولا آثام لإخوانه المسلمين ندخل إلى شهر رمضان بالمحبة والإخاء والمودة والصفاء والنفوس منشرحة والقلوب مطمئنة، ندخل كما أمر الله إخوة في الإيمان، أحبة في الطاعة والإسلام، فإنه إذا وقعت الشحناء؛ حجبت العبد من المغفرة قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: (( يقول الله تعالى: أنظرا هذين حتى يصطلحا ) )أي لا تغفرا لهما حتى يصطلحا.
فتذكر ما بينك وبين أقاربك خاصة إخوانك وقرابتك الإخوان والأخوات والأعمام والعمات وآل كل والقرابات تتذكر ما لهم من حقوق وما لهم عندك من مظلمة، فتحلل منها، وتسألهم الصفح والعفو، وتستقبل شهرك وأنت منيب إلى الله عز وجل ليس بينك وبين الناس مظالم تحول بينك وبين الخير.
ومن أعظم ذلك كما ذكرنا القطيعة والمحروم من حرم، فإن خير الناس من ابتدأ بالسلام بعد وجود القطيعة والخصام؛ قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: (( وخيرهما الذي يبدأ بالسلام ) )فيفكر الإنسان حينما يقدم على رمضان كيف يصلح ما بينه وبين الله، وما بينه وبين الناس؛ قال-تعالى-: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} كذلك أيضًا يدخل الإنسان إلى رمضان ويهيئ من نفسه بواعث الخير والدوافع التي تحمله على الطاعة والبر، ومن أعظم ذلك أن يحس من قلبه كأن هذا الرمضان هو آخر رمضان يعيش فيه، وما يدريه فلعل مرضًا يحول بينه وبين الصيام فيكون ذلك اليوم أو ذلك الشهر هو آخر ما يصوم، أو لعل المنية تخترمه، فكم من إخوان وأحباب وخلان وأصحاب وجيران كانوا معنا في العام الماضي، وقد مضوا إلى الله، وأصبحوا رهناء الأجداث والبلى، غرباء سفر لا ينتظرون، فالسعيد من وعظ بغيره، فإذا دخلت إلى رمضان وأنت تستشعر كأن هذا الشهر هو آخر شهر تصومه أو آخر شهر تقومه؛ قويت نفسك على الخير، وهانت عليك الدنيا، وزهدت فيها، وأقبلت على الآخرة وعظمتها.
ومن أعظم الأسباب التي تنكسر بها قسوة القلوب الزهد في الدنيا والإعظام للآخرة، ولا زهد في الدنيا إلا بقصر الأمل، فحينما تحس أن هذا رمضان قد يكون آخر رمضان لك وآخر شهر تعيشه دعا ذلك إلى إحسان العمل وإتقانه.
-نسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأن يصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأن يصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، وأن يبلغنا رمضان مع صفح وعفو وبر وغفران، ونسأله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلنا أوفر عباده نصيبا في كل رحمة ينشرها، وكل نعمة ينزلها، إنه ولي ذلك والقادر عليه -.
هل يصح قراءة القرآن من المصحف في التراويح لمن لا يحفظ القرآن؟
الجواب:
الأولى أن يتقدم الناس حافظ القرآن ويصلي بهم القيام أو التراويح، فإن لم يوجد وأراد الناس أن يصلوا بإمام يستطيع القراءة من المصحف فلا حرج، وهو فعل أم المؤمنين عائشة-رضي الله عنها- أنها أمرت ذكوان أن يصلي بها أو يقوم بها شهر رمضان بالمصحف، ولذلك الفتوى عند أهل العلم على أنه لاحرج في إمساك المصحف والقراءة حتى ولو كان الإنسان حافظًا وأراد أن تكون ختمته للقرآن في مأمن من الخطأ والخلل أو كان يخشى في مواضع المتشابه التشابه وأراد أن يجل القرآن عن الخطأ فهذا أكمل له وأعظم أجرًا ولا حرج عليه في ذلك، والله - تعالى - أعلم.
هل من كلمة حول رمضان فإن بعض الشباب يضيعون أوقاتهم في هذا الشهر الكريم فيما لا ينفع إلا في الطاعات؟
الجواب:
أقبل رمضان وهو شهر الرحمة والغفران، أقبل رمضان والله أعلم كم في جنباته من حلم وصفح ورحمة وغفران، أقبل شهرٌ قال فيه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: (( إذا دخل رمضان فتحت أبواب الرحمة ) )وهو شهر الخيرات والمنافسة في الطاعات، اختاره الله-جل وعلا- من بين الشهور فجعله شهر العبادة والرحمة، تلاوة وتسبيح تهجد وتروايح، كم دخله بعيد فقربه الله، وكم دخله مسيء مذنب فتاب عليه فيه الله! وكم لله فيه من نفحات وكم لله فيه من رحمات ومغفرات! وفي الحديث الصحيح عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال: (( من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه ) )وكم من صائم صام يومه وآذانته الشمس بالغروب فغيَّبت معها الخطايا والذنوب، وهو الشهر الذي فضل الله قيامه كما في الحديث الصحيح عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال: (( من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه ) )فطوبى لتلك الأحشاء التي ظمأت لوجه الله! وطوبى لتلك الأمعاء التي جاعت لوجه الله! وطوبى لتلك الأقدام التي انتصبت في جوف الليل بين يدي الله! وطوبى لتلك العيون التي سحت للبكاء من خشية الله! هذا شهرها وهذا أوانها ينادي منادي الله يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، تسلسل فيه الشياطين وَتُفَتَّح أبواب النفحات والرحمات من الله رب العالمين، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: (( إذا جاء رمضان فُتِحَت أبواب الرحمة ) )فما أعظمه من شهر! وما أجلها من غنيمة وذخر، وطوبى لمن خرج من رمضان فخرج عنه رمضان بصفح وغفران، وما يدريك فلعلك أن تخرج من ذنوبك منه كيوم ولدتك أمك.
-فنسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعل لنا فيه أوفر حظ ونصيب وأن يجعلنا ممن صام الشهر واستكمل الأجر وأدرك ليلة القدر إنه ولي ذلك والقادر عليه، ونسأله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعل لنا من هذا الشهر أوفر حظٍ ونصيب، في كل رحمة ينزلها، وفي كل مغفرة يسبغها، ونسأله أن يسبغ شآبيب الرحمات على جميع الأموات من المسلمين والمسلمات الذين لم يدركوه، وأن يجبر كسرهم وأن يُعَظِّم أجرهم -.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)