فهرس الكتاب

الصفحة 771 من 811

مع ذلك كان عمر -رضي الله عنه- يرى حرصًا منه على إكثار الأقدام وتكثير الأسفار إلى بيت الله الحرام، كان يرى الفصل بين العمرة والحج بسفرتين؛ لكي تتكرر زيارة الناس إلى المسجد وفي ذلك -ولا شك- مصلحة دينية للأمة الإسلامية يومئذٍ.

أنا لا يهمنى -الآن- أن أقول: هل هذا الاجتهاد منه صواب أم خطأ؟ مثل اجتهاده في جعل الطلاق بلفظ: ثلاث في مجلس واحد ثلاثًا، هل هذه سياسة شرعية صحيحة أم لا؟

ما يهمنا ذلك؛ لأن السياسة الشرعية قد تكون زمنية آنية إما في زمن واحد ومكان واحد أو في زمن واحد وأمكنة أخرى؛ ثم تزول هذه السياسة بزوال المقتضي لها.

لا يهمني هذا؛ لكن يهمني هل يصح أن تتخذ سياسة عمر في كل من المسألتين شريعة يستمر عليها المسلمون إلى يوم القيامة وتنعكس الشريعة؛ فيُقال إن الطلاق بلفظ ثلاث هو طلقة واحدة مع العلم أنَّ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم رُفِعَ إلى الرفيق الأعلى وهذا الطلاق يعتبر طلقة واحدة.

لا يمكن أن يقول مسلم بهذا الحكم المخالف للشَّرع، حسبه أن يقول: أنه اجتهاد من عمر أصاب في هذا الاجتهاد في زمنه، أمَّا في ما بعد فلا يجوز اللجئ إليه.

الشاهد أنه منع من التمتع في العمرة إلى الحج، مع أنه صريح القرآن: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [1] إلى آخر الآية؛ ثم مات عمر -رضي الله عنه- على هذه السياسة التي رآها وإن كان قد رُوِيَ عنه رواية، لو كان الدين بالهوى لتمنينا أن تكون هذه الرواية صحيحة، فإنها تقول بأن عمر تمنى ثلاثة أشياء:"أن يكون قد سأل رسول الله في الكلالة، وأن يكون قد رجع عن قوله للطلاق الثلاث بأنه ثلاث، وعن نهي الناس عن التمتع بالعمرة إلى الحج."

رواية ضعيفة نأمل أن تكون صحيحة في واقعها؛ لكن هذا ما لا نستطيع الجزم به، وبخاصة أن عثمان -رضي الله عنه- ورث هذه السياسة عن سلفه والخليفة الثاني عمر بن الخطاب.

(1) [البقرة: 196] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت