فنحن نعلم -جميعًا- أن سلفنا الصالح وعلى رأسهم أصحاب النَّبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قد كانوا مختلفين في بعض المسائل، ولم يكن مثل هذا الاختلاف أولًا: سببًا لإيجاد شيء الفرقة بينهم خلافًا لاختلاف الخلف؛ فقد صاروا بسبب اختلافهم مذاهب شتَّى وطرائق قِدَدًا؛ حتى لم يعد الكثيرون منهم يرون جواز الصَّلاة وراء من خالفهم في مذهبهم؛ بل صار ذلك فرعًا فقهيًّا نصُّوا عليه في كتبهم؛ فقالوا في متونها، أو في متون هذا الفقه:
"ولا يجوز الصلاة وراء المخالف للمذهب"لا يجوز الصَّلاة وراء المخالف للمذهب!
هذا النص موجودٌ في المذهب الحنفي، وفي المذهب الشافعي، وفي الشرح -أو الحواشي -كما يقولون- ترى العجب العجاب من التفاصيل التي لا يعرفها السلف الأول أولًا، ثمَّ لا يتعرَّف عليها السلفيون ثانيًا؛ لأنَّ الله -عزَّ وجلَّ- أغناهم عن أن يقعوا في مثلها بمعرفتهم التي أشرت لها آنفها؛ أن الصحابة كانوا مختلفين في بعض المسائل، ومع ذلك كانوا يصلون وراء إمامٍ واحد؛ بينما الخلف نجد آثارهم في محاريبهم حتى اليوم.
نجد في المسجد الكبير أربعة محاريب:
المحراب الأول: للحنابلة.
والثاني: للشافعية
والثالث -وهو يكون في الوسط-: للحنفية.
والأخير إلى الشرَّق: محراب للمالكية؛ لأنهم أقل عددًا في تلك البلاد.
فكان يؤم النَّاس في المسجد الكبير الإمام الحنفي إلى عهد قريب، إلى عهد استعمار فرنسا للبلاد السورية، ذلك ميراث ورثه النَّاس في سوريا من العهد العثماني؛ لأنَّ العثمانيين كلهم كانوا حنفيين، فلما احتلت فرنسا سوريا ثمَّ أقامت رئيسًا للجمهورية هو المُسمَّى بـ:"تاج الدين الحسيني"، الذي هو من أولاد بدر الدِّين الحسيني الذي كان يقولون في زمانه أنَّه مُحدِّث الدِّيار الشاميَّة، ولسنا الآن في هذا الصدد.