ذلك ما روى عن الخطيب البغدادى (1) أنه لمًا وصل مكة، ودخل بيت الله الحرام، طاف بالبيت، وصلى ركعتين خلف المقام، ثم توجه إلى زمزم فشرب منه ثلاث شربات، وسأل الله تعالى ثلاث حاجات، أخذًا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ماء زمزم لمًا شرب له" (2) ، والحاجات الثلاث هى: الأولى:. أن يحدث بتاريخ بغداد بهًا؛ الثانيه: أن يملى الحديث بجامع المنصور؛ الثالثة. أن يدفن عند بشر الحافى؛ فقضى الله له ذلك (3) . فأحد الأمانى الثلاث للخطيب البغدادى هو أن يمل الحديث في جامع المنصور، لأنه الجامع الذى تلقى فيه علومه، والتقى فيه بكبار شيوخه، فيريد أن يفيد الناس فيه، ومن جهة أخرى فجامع المنصور هو الجامع الكبير في بغداد، واجتماع الناس فيه أكبر من غيره من المساجد، فتكون الفائدة فيه أكثر (4) ، فهو بمثابة جامعة كبيرة كمًا أسلفت. فالحالة العلمية في عصره كانت منتعشة انتعاشًا كبيرًا، ولم تتأثر بالتقلبات السياسية والتصدع الذى أصاب الخلافة الإسلامية، أو التنافس المذهبى والخلاف بين الفروق المختلفة.
(1) هو: أحمد بن على بن ثابت بن أحمد بن مهدى، يكنى أبا بكر، وأشتهر بالخطيب البغدادى، المنصف، الحافظ، أحد الأئمة المكثرين في التصنيف، المجيدين له، البارعين فيه، صنف أكثر من ثمانين مصنفا، أشهرها تاريخ بغداد، ولد لست بقين من جمادى الآخرة سنة اثنين وتسعين وثلاثمائة، وتوفى في سابع ذى الحجة من سنة ثلاث وستين وأربعمائة. ترجمته فى: تاريخ دمشق لابن عساكر: 1/ 399، ووفيات الأعيان: 1/ 76، ومعجم الأدباء: 4/ 16، والمنتظم: 8/ 265، والتذكرة: 3/ 1144، وشذرات الذهب: 3/ 12.
(2) رواه ابن ماجه في سننه: 2/ 1018، أحمد في مسنده: 3/ 357، 372، والفاكهى: 2/ 27، الأزرقى: 2/ 52.
(3) تاريخ دمشق لابن عساكر: 1/ 399، معجم الأدباء: 4/ 16، والتذكرة: 3/ 1139، وطبقات الشافعية الكبرى: 4/ 35.
(4) الحافظ الخطيب البغدادى واثره في علوم الحديث: 42.