تاب وأظهر توبته (1) . محنته: وفى سنة تسع وستين وأربعمائة جاء لبغداد أبو نصر بن القشيرى (2) فأحدث فتنة عظيمة، وذلك بجلوسه في النظامية (3) ، وأخذ يذم الحنابلة، وينسب إليهم التجسيم، وكان من المؤيدين والمتعصبين له أبو سعد الصوفى كما مال إلى نصرته أبو إسحاق الشيرازي، وكتب إلى نظام الملك الوزير يشكو الحنابلية ويسأله المعونة؛ فاتفق جماعة من أتباعه على الهجوم على الشريف أبي جعفر في مسجده، والإيقاع به، فرتب الشريف جماعة أعدهم لرد خصومه إن وقعت، فلما وصل جماعة القشيرى إلى باب المسجد رماهم أنصار الشريف أبو جعفر ــــــ
(1) قال ابن رجب: (إن أصحابنا - يقصد الحنابلة - كانوا ينقمون على ابن عقيل تردده الى ابن الوليد، وابن الثبان شيخى المعتزلة، وكان يقرأعليهما في السر علم الكلام، ويظهر منه في بعض الأحيان نوع انحرف في السنة، وتأول لبعض الطبقات ولم يزل فيه بعض ذلك الى ان مات، ففى سنة إحدى وستين اطلعوا له على كتب فيها شئ من تعظيم المعتزلة، ووقع على ذلك الشريف ابو جعفر وغيره، فأشتد ذلك عليهم، وطلبوا أذاه، فأختفى ثم لجأالى دار السلطان، ولم يذل امره في تخبيط الى سنة خمسة وستين، فحضر في اولها الى الديوان، ومعه جماعة من الأصحاب، فأصطلحوا، ولم يحضر الشؤيف أبى جعفر، لأنه كان عاتبا على ولاة الأمر بسبب انكار منكر، فمضى ابن عقيل الى بيت الشريف ابو جعفر وصالحه وكتب بخطه: على بن عقيل بن محمد: انى أبرأ الى الله تعالى من مذاهب المبتدعة: الاعتزال وغيره، ومن صحبة أربابه، وتعظيم أصحابه، والترحم على اسلافه والتكثر بأخلاقهم ... وقد كان الشريف ابو جعفر، ومن كان معه من الاتباع مصيبين على الإنكار بما شاهدوه بخطى من الكتب التى أبرأ الى الله تعالى منها وأتحقق أنى كنت مخطئا غير مصيب) . انظر تفاصيل هذه القصة بالذيل على طبقات الحنابلة: 1/ 147 - 175.
(2) هو: أبو نصر، عبد الرحيم بن عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحه القشيرى النيسابورى، النحو، المتكلم، اعتنى به أبوه، واسمعة وأقرأه حتى برع في كل العلوم، ووعظ ببغداد، وبالغ في التعصب للأشاعرة والكرة للحنابلة، ومات في سنة اربع عشرة وسبعمائة. انظر ترجمته فى: المنتظم: 17/ 190، وسير أعلام النبلاء: 19/ 424، والبداية والنهاية: 12/ 187، وشذرات الذهب: 4/ 45، والكامل: 9/ 209.
(3) يقصد المدرسة النظامية، وهى إحدى المدارس الشهيرة ببغداد.