ومن هنا وَجَّه إليهم القرآن اتهامًا عاما. وألحق بهم وصفا ثابتا فقال:"وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون * وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين". وهكذا ندّد القرآن بموقف هذه الفئة المتعالية اعتدادها المنكر، بما تملك من متاع، واستحمق تفكيرها الذى يربط مجد الدنيا وسعادة الآخرة بكثرة الأموال والأولاد، ثم استتلى يرد عليهم شارحا الطريق الصحيح للعظمة الإنسانية، وهو العمل الصالح والخلق الرضى لا البطر بما أتيح للمرء من أسباب القوة."وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون". وقد فضل القرآن في كثير من سُوَرِهِ، موقف الطبقات المترفة، تجاه كل كتاب منزل وكل نبى مرسل، فكان التكذيب واحدًا للدين الواحد الذى بعث الله به أنبياءه من لدن نوح- عليه السلام- إلى خاتم النبيين محمد- صلوات الله عليه وسلامه-. مما يثير العجب تشابه الرد الذى انتظم على ألسنتهم جميعا حتى لتكاد تجزم بأنهم يشعرون بعاطفة واحدة، ويدافعون عن مصلحة واحدة. في نوح ورسالته وأتباعه يقص القرآن هذا الرد:"فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأيى وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين"وفى رسالة هود:"وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون * ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون". 035