وفى سنة 1961م .. وبعد انكشاف الضياع المقنع بشعارات لا تحمل أدنى رصيد من الشرف والحقيقة .. بدأت مرحلة الضياع الاجتماعى والاقتصادى والفكرى .. تحت راية ما سمى بالقوانين الاشتراكية .. وكان شيوعية مغلفة زاحفة!! وظهر أن ما كنا نظنه إصلاحا .. إنما هو داء جديد أسوأ خطرا من الداء القديم الذى كنا نحاربه في هذا الكتاب .. وكما دخلنا المعركة في سنة 1947م .. ضد الإقطاع والاستبداد .. دخلناها سنة (1961م) ضد الأخطار الجديدة، وأوذينا في الله .. ونحمده على ذلك .. وأصدرنا في هذه الظروف كتابنا (معركة المصحف في العالم الإسلامى) وتابعنا المعركة حتى أوصدت في وجوهنا كل أبواب العمل للإسلام من خطابة وتربية وكتابة. إن تجربة العقود الثلاثة الماضية كانت- بحق- تجربة مرة .. وقد أصيبت الأمة في هذه العقود الصعبة بما لم تصب به في كثير من فترات تاريخها .. وقد ظهر فيها دجالون كثيرون .. وارتفعت فيها رايات، وخفضت- أو توارت- رايات .. واختلطت المفاهيم الزاحفة على حقائق ديننا ومنهج ربنا .. وكنا نغزى من الشرق ومن الغرب .. ونُحْرَم من حق الدفاع عن ديننا .. وتفرض المفاهيم المنحرفة- بقوة القانون الوضعى وحماته- على جماهير الأمة المسلمة المسكينة. وقد تبين لى- وأنا باحث أنشد الحق ولا أبتغى إلا وجه ربى- أن كثيرا من مواطئ أقدامنا تحتاج إلى تبيين .. وأن بعض الآراء والاجتهادات ربما تحتاج إلى تمحيص، مع ظهور حقائق جديدة، ومع ما أفدته من تجربة العقود الثلاثة الماضية. لقد كنت- في كتابى هذا: (الإسلام والأوضاع الاقتصادية) - قد استخدمت مصطلح (الدين في خدمة الشعوب) وكان لهذا الاستخدام ومازال عندى ما يبرره .. فقد كان استخدام هذا المصطلح في مواجهة ذلك المصطلح الذى روج له الشيوعيون في تلك الفترة (الدين أفيون الشعوب) .. واستخدامى لهذا المصطلح (الدين في خدمة الشعوب) ينبع من قوله تعالى:"وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"ومن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (أبغونى فَى ضعفائكم هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟) .. 006