فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 145

وجهدهم. وذلك معنى الابتلاء الذى تضمنته الآية والتهديد الذى ختمت به. إذ أن الله سائل كل امرئ حتما على قدر ما آتاه من خصائص، ومنحه من ملكات .. والآية الثانية صريحة في أن التفاضل في الرزق- إن جاء من أسبابه المشروعة- لا يسوغ أن يكون مُثار جشع وحرص، يجعل الفاضل بخيلا به على المفضول، بل ينبغى أن يرد الممتازون بالمال بعض ما معهم على من تحت أيديهم، من الخدم والأتباع وغيرهم، شكرًا لله على ما ميزهم به من مواهب وسلطان. وأما الضن بالخير على الفقراء إليه فجريمة لا يقرها دين. وليس في الآية ما ينفى جعل التفاضل في الرزق تابعًا للتفاضل في العلم والفن وخدمة الوطن والمجتمع، بل ذلك مفهوم من الآية الأولى ومن غيرها. وأما الآية الأخيرة فهى تشبر إلى أن جسم الأمة كجسم الإنسان، لابد فيه من رأس مُدبِّر، وعقل مُفكِّر، ومن أطراف تُسخَّر للتنفيذ، وأعضاء يُستعان بها على بلوغ الغايات المقصودة .. وهذه حقيقة مقررة في كل نظام إنسانى، فإن الناس لا يصلحون فوضى. والمصالح العامة لأية أمة لابد فيها من تنوع الوظائف إلى علمية وعملية، وإلى مدنية وعسكرية، وإلى زراعية وصناعية. ومن هذه وتلك يوجد التافه والخطير، والدقيق والجليل. ولكى تصلح الأوضاع يختار لكل وظيفة من يستطيع القيام بأعبائها، ومن ترشحه مواهبه للعمل فيها، وملكات الناس في ذلك متباينة أشد التباين. فهذا مهندس للمصنع يعمل فيه بعقله، وهذا عامل مجرد يشتغل فيه بيده، وهذا يتبع ذاك فيما يشير به، لأن هذا يضع التصميم، وذاك يقوم بالتنفيذ. والخضوع الواجب في مثل هذه الحالات، هو خضوع الجند لأوامر القيادة فليس هو البتة تسخير إذلال وقهر، ولكنه تسخير نظام وعمل. هو ترتيب يشبه ترتيب الأعداد صعودًا أو نزولًا، فالأول قبل الثانى، والثانى بعد الأول. وأساس هذا الترتيب أو هذا التسخير، هو الكفاية الذاتية وحدها. على أن الملاحظ في البيئات التى يظهر فيها الترف والبؤس، ويوجد فيها نظام الطبقات، غير ذلك. 019

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت