ولا تكون الحكمة في معالجة الأمور، والدقة في الحكم على الأشخاص والمسائل، والبصر بالمقدمات والنتائج، إلا لأصحاب العقول الراجحة، والمدارك الواسعة، والمواهب الرائعة. (يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولو الألباب) . وتربية العقول، وإذكاء المواهب، وتفتيق الملكات الإنسانية ليس أمرًا هيِّنا. فمراحل التعليم في المدرسة، ومراحل التجريب في الحياة، واستيراد الأفكار البعيدة، وضم ما لا نعرف إلى ما نعرف، والنظر في الجديد نظرة تلطف وإيلاف، لا نظرة جمود واعتساف، والتطويف في آفاق العوالم المادية والأدبية. هذه جميعًا، وسائل العقل الإنسانى، ثم هى بَعدُّ وسائل العقل السليم لمعرفة الله، وحسن الإيمان به، والإفادة من دينه. إن عمل العقول الكليلة في آيات الوحى، هو عينه عمل الحشرات القارضة في أوراقه، عندما يَدّبُّ فيها البلى، تتلفها ولا تعرفها، وتظلمها ولا تنصفها. وذاك سر التدهور الاجتماعى، بين جماهير الأميين من المسلمين وغيرهم. وما أبعد هذه الكتل الأميَّة عن الدين! مهما زعموا لها من إيمان العجائز!!. نعم قد يكون هناك من ذوى العقول القوية من يَحِيدُ عن مناهج الاستقامة، وأصول الفضائل، ومن يتمرد على تعاليم الدين!. بَيْدَ أن هذا يُقَلِّل من قيمة العقل، ولكنه يبين لنا خطورة الشهوات الجامحة، والأهواء التى قد تصرف المرء عن الحق وهو يعرفه. ثم إن محاربة الجهل أن يطغى على العقل، لا تغنى عن محاربة الفساد أن يتطرق إلى الفؤاد. والنَّكْسَة التى أصابتنا في تاريخنا الطويل، جاءت من فساد عقول العامة ومن فساد ضمائر القلة الحاكمة. فإذا أصلحنا العقول بالتعليم الشامل، صَحَا الشعب، فلم يبق أمام فاسدى الضمائر مُتَّسعٌ للبقاء. ذلك أن الشعوب المتعلمة قوة، يجرف تيارها القذى والغثاء. 1 ص