وقد قال في ذلك الشاطبى في المرفقات ما نصه: الاجتهاد على ضربين- أحدهما لا يمكن أن ينقطع حتى ينقطع أصل التكليف وذلك عند قيام الساعة. والثانى يمكن أن ينقطع قبل فناء الدنيا. فأمَّا الأول- فهو الاجتهاد المتعلق بتحقيق المناط وهو الذى لا خلاف بين الأمة في قبوله (ومعناه أن يثبت الحكم بمدركه الشرعى. ولكن يبقى النظر في تعيين محله) أى في تطبيقه على الجزئيات والحوادث الخارجية. وبعد أن يضرب الأمثال المختلفة يقول رضى الله عنه:"ويكفيك من ذلك أن الشريعة لم تنص على حكم كل جزئية على حدتها وإنما أتت بأمور كلية وعبارات مطلقة تتناول أعدادًا لا تنحصر. ومع ذلك فلكل معين خصوصية ليست في غيره ولو في نفس التعيين". ثم يقول:"فالحاصل أنه لا بد منه. وبالنسبة إلى كل ناظر وحاكم ومفتٍ .. ولو فرض ارتفاع هذا النوع من الاجتهاد لم تتنزل الأحكام الشرعية على أفعال المكلفين إلا في الذهن. وإن تعميم الأحكام الخاصة بالزكاة في كل ما يتحقق فيه العلة يؤدى إلى أمر حق ويمنع أمرًا ظالما لأنه يؤدى إلى المساواة العادلة بين الناس فلا تجب الزكاة في زرع من يملك فدادين ويعفى منها من يملك عمارة فخمة ضخمة تدر عليه درًا كثيرًا يساوى عشرات الأفدنة. ولا يعفى من كان له رأس مال وضعه في مصنع يدر عليه ربحا فائضا كبيرًا. والأمر الظالم الباطل الذى يمنع فرض الزكوات على الأموال التى تدر مالا كثيرًا ولم تكن في عهد الرسول هو أن يفر الناس مما تجب فيه الزكاة إلى مالا تجب فتكون الكثرة الكاثرة في جانب من أبواب الكسب والقلة في باب آخر. وربما كانت حاجة الأمة إليه أمس وأشد. على ضوء هذه الحقائق المقررة نقول: إن كل مال يتحقق فيه النماء والشروط التى ذكرها الفقهاء تجب فيه الزكاة ولو لم يكن جاء به النص عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم فإن القياس ثابت في الفقه الإسلامى وتطبيق موجب القياس ثابت في كل العصور والأزمان وهو نوع من الاجتهاد لا يصح أن يخلو منه عصر من العصور ليمكن تحقيق علة النصوص تحقيقا علميا سليما".