فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 459

ولم يقتصر تشجيع الخلفاء والحكام للعلماء على العطايا، بل اهتموا أيضا بإنشاء المكتبات ودور العلم وأمنوا لوازم كل من يؤمها [1] . وكان لاستخدام الورق الذي بدأ ينتشر بشكل واسع بعد أن أنشىء مصنع له في بغداد بعهد هارون الرشيد الأثر الكبير والمساعد على اتساع حركة التدوين فقد كان الناس قبل ذلك يكتبون في الجلود والقراطيس المصنوعة من ورق البردى في مصر [2] .

وشجعت كل هذه العوامل وساعدت على وضع أسس التصنيف والتأليف لكل علم من العلوم ففي (هذا العصر وضعت في اللغة العربية أسس كل العلوم تقريبا فقل أن نرى علما إسلاميا نشأ بعد ولم يكن قد وضع في العصر العباسي، وضع تفسير القران وجمع الحديث ووضعت علومه ووضع علم النحو وألف فيه سيبويه كتابه الخالد ووضعت كتب اللغة ورسم خطها الخليل بن أحمد، كما وضع العروض، ودونت أشعار العرب في المعلقات التي دونها حماد الراوية والمفضليات التي دونها المفضل الضبي، والأصمعيات التي دونها الأصمعي، ووضع الجاحظ أساس الكتب الأدبية، وحذا حذوه ابن قتيبة والمبرد وغيرهما، ودون الفقه على يد الأئمة وتلاميذهم ودون السيرة ابن إسحاق، والتاريخ الواقدي وأمثالهما) [3] .

إلا أن حركة التدوين هذه التي ازدهرت في ذلك العصر لم تكن وليدة الصدفة أو نتيجة لظروف غير طبيعية، وإنما كانت المرحلة الأخيرة من المراحل التي مر بها التدوين عبر مشواره الزمني الطويل الذي انتقلت فيه مادة كل علم من العلوم من الرواية الشفوية إلى مرحلة التدوين المبسط وغير المرتب في مواضيع متفرقة إلى مرحلة التصنيف المرتب الجامع الشامل لما سبق أن روي ودون، وكل هذه العلوم الإسلامية التي أعطت في العصر العباسي الأول بواكير إنتاجها الثقافي وعلم الأنساب واحد منها كانت قد مرت بمراحل ثلاث:

مرحلة الرواية الشفوية والتدوين البدائي الذي كان بدافع من اهتمام شخصي وضرورة اجتماعية واتسم بطابع العفوية والفضول العلمي، وقد امتدت هذه المرحلة حتى

(1) العصر العباسي الأول ص 103.

(2) دراسات في تطور الحركة الفكرية في صدر الإسلام. صالح العلي ص 5958.

(3) ضحى الإسلام، أحمد أمين 2/ 13.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت