فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 459

وانتظمت القبيلة من الداخل فغدت تتألف من أفخاذ وعشائر وأسر، كما أرسيت قواعد إدارة القبيلة والانتماء إليها والزعامة فيها إلى حد أصبحت القبيلة فيه أشبه بأمة لها لهجتها الخاصة ومعبودها وديارها (وطنها) وشاعرها المعبر عن وجهات نظرها، وأحلافها الخارجية وعلاقاتها حتى مع قوى خارج شبه الجزيرة.

وقام الإسلام وسعى النبي صلى الله عليه وسلم للإفادة من هذا النظام لتحقيق النجاحات فاستفاد من حماية عشيرته له، ثم أخذ يعرض نفسه على القبائل، لكن النجاح لم يحالفه، نظرا للوشائج التي كانت قائمة بين زعامات قريش في مكة وزعماء القبائل في الطائف والمناطق المجاورة لمكة.

وبعد طول جهاد اتصل صلى الله عليه وسلم بالأوس والخزرج وتمت الهجرة إلى المدينة، وإثر الهجرة سعى النبي صلى الله عليه وسلم نحو إلغاء النظام القبلي، وإنشاء الأمة العقائدية، ووضح هذا في إطلاق اسم الأنصار على الأوس والخزرج والمهاجرين على الذين قدموا إلى المدينة من مكة وغيرها، مع عملية المؤاخاة، ولم تلغ هذه الإجراات النظام القبلي، بل حاولت إيجاد كيانات قبلية جديدة إنما بدون نجاح ملحوظ، لذلك ما لبث النبي صلى الله عليه وسلم أن أعاد الاعتبار إلى القبيلة القديمة وسعى للإفادة من النظام القبلي داخل التنظيم العقائدي للأمة الناشئة وأثناء الصراع مع قريش.

لا أريد في هذا المقام أكثر من الإشارة إلى موضوع القبلية العربية وتبيان مدى أهميته وبالتالي ضرورة البحث فيه، والبحث فيه يحتاج طبعا إلى وسائل خاصة ومواد اخبارية، ولا تكفي المواد الموجودة في كتب الأخبار والتاريخ، بل هنالك حاجة ماسة إلى اعتماد المواد التي وردت في كتب الأنساب.

وألف العرب عددا كبيرا من كتب الأنساب، كان النسب الكبير وجمهرة النسب لابن الكلبي من أوسعها شهرة، واتسم هذان الكتابان بسمات خاصة أعاقت الانتفاع منهما بالشكل الأمثل، كما أن المحدثين وعلماء الإسلام كان لهم موقفهم بالنسبة لعدالة محمد بن السائب الكلبي وابنه هشام، لهذا أقدم بعض الأئمة على تهذيب كتاب ابن الكلبي وتدارك بعض ثغراته وتقريب مواده للقراء والباحثين، وأقدم من قام بهذا العمل وأفضلهم الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام، وما أن ظهر كتاب ابن سلام حتى اعتمده المحدثون والفقهاء وعلماء التاريخ والرجال، لذلك قامت الحاجة في أيامنا إلى بعث هذا الكتاب بتحقيقه ونشره بشكل علمي.

وتولى القيام بهذه المهمة الصعبة جدا السيدة مريم الدرع، حيث تقدمت بعملها لنيل شهادة الماجستير بالتاريخ الإسلامي من جامعة دمشق، وقد أنجزت عملها بكل دقة ونجاح وبرهنت على امتلاكها للمؤهلات العلمية وخلق الباحث وبشرت بمستقبل واعد.

وقد شجعتها على نشر هذا الكتاب وتسهيل وصوله إلى القارىء العربي، والأمل كبير في أن تحصل الفائدة المتوخاة من نشر هذا الأصل الهام والله الموفق نحو السداد والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت