فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 459

لهذا ولأسباب كثيرة لا بد من إعادة النظر في هذا الموضوع والتخلي عن تلك المنهجية وتبني منهجية أخرى نسأل على أساسها أولا: متى ظهرت القبيلة في تاريخ العرب قبل الإسلام وما معنى القبيلة، وما هي العلاقة بين القبيلة والإسلام في داخل شبه جزيرة العرب ثم ما هي المؤثرات التي أحدثها انتصار الإسلام في حروب الردة ومن ثم الخروج من شبه الجزيرة والقيام بحركة الفتوحات الكبرى على البنيان القبلي بالإجمال والتفصيل، وكيف تأثرت بذلك قبائل الأمصار القديمة لا سيما قبائل الشام لما قبل الإسلام؟

فحين نقرأ أخبار صفين نجد أن القول الفصل بالنسبة لموقف معاوية قد اعتمد على قبائل الفتح لا سيما قبائل حمص، في حين أن عرش معاوية الخليفة ثم ابنه من بعده اعتمد على مساندة قبيلة كلب وهي من قبائل الشام لما قبل الفتح، وقبيلة كلب هي التي قررت مستقبل الخلافة في مؤتمر الجابية ومعركة مرج راهط.

وفي عودة إلى كتب الأخبار نراها تتحدث عن هجرة قبلية كبيرة حدثت قبل الإسلام من اليمن، ربما بحوالي ثلاثة قرون، والمعني بذلك هجرة الأزد، وتتحدث هذه الكتب في الوقت نفسه عن صراعات رافقت الهجرة وتلتها وأنه تمخض عن ذلك ظهور تكتلات (جماهير) بشرية كبيرة وأن هذه التكتلات تمزقت وولد من داخلها الوحدات الأصغر التي حملت اسم القبائل، فأثناء هجرة الأزد لا بد لهذه الكتلة الكبيرة أن جرفت أمامها مجموعات من سكان شبه الجزيرة واستوعبتها في داخلها، كما أنها خلفت وراءها بعض المجموعات، مثل الأوس والخزرج في يثرب وخزاعة في مكة، وقيل إن مجموعة من الأزد عسكرت حول بئر اسمه غسان فكونت قبائل غسان التي قدمت إلى بلاد الشام.

ويستخلص من هذا كله ومن الحكايات التي جاءت حول قبائل تنوخ والسيطرة على الحيرة مؤشرات تأريخية على ظهور النظام القبلي عند العرب، ولا شك أن ما جاء حول قصي ابن كلاب والاستيلاء على مكة فيه دلالات أوضح، فهو قد استخرج قبيلة حملت اسم قريش من بين أوساط جمهرة كبيرة اسمها كنانة، وأسكن قبيلته الجديدة في مكة وفق نظام هو أبدعه ورعى تطبيقه، ولعل هذا كان في القرن الرابع للميلاد.

وتابع النظام الجديد نموه واستيفاء أبعاده في القرنين الخامس والسادس للميلاد، ومع ظهور الإسلام كانت شبه الجزيرة والأطراف قد شهدت تكامل التحولات الاجتماعية وحلول القبيلة محل الجمهرة، حيث تبنت كل قبيلة اسما خاصا بها وانتماء ونسبا وهوية دون أن تقطع صلاتها الإسمية بالجمهرة القديمة.

وانتظمت القبيلة من الداخل فغدت تتألف من أفخاذ وعشائر وأسر، كما أرسيت قواعد إدارة القبيلة والانتماء إليها والزعامة فيها إلى حد أصبحت القبيلة فيه أشبه بأمة لها لهجتها الخاصة ومعبودها وديارها (وطنها) وشاعرها المعبر عن وجهات نظرها، وأحلافها الخارجية وعلاقاتها حتى مع قوى خارج شبه الجزيرة.

وقام الإسلام وسعى النبي صلى الله عليه وسلم للإفادة من هذا النظام لتحقيق النجاحات فاستفاد من حماية عشيرته له، ثم أخذ يعرض نفسه على القبائل، لكن النجاح لم يحالفه، نظرا للوشائج التي كانت قائمة بين زعامات قريش في مكة وزعماء القبائل في الطائف والمناطق المجاورة لمكة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت