وهكذا نجد أن كل فريق يفخر ببطولاته وأيامه ونسبه ويعدد مخازي الفريق الاخر لا فرق بينهم وبين الجاهلية، ولا غرابة في ذلك فقد عاش الأمويون عيشة عربية يقاتلون بالعصبية ويتخذونها سلاحا لهم، وهذا كله من غير شك يدعو إلى العناية بحفظ الأنساب والحرص عليها.
وإلى هذا الصراع وانقسام قبائل العرب إلى كتلتين قويتين عدنانية وقحطانية حددت معالمها يوم وضعت جداول نسب ديوان العطاء، يعود سبب الاضطراب في نسب بعض القبائل فقد سار النسابون في كل قبيلة على هذا المنهج في التقسيم وعدوه أصلا وقاعدة لجداول أنسابهم علما أنه لا توجد معطيات ثابتة تدل على أن هذا التقسيم صحيح وأن أصل العرب من جدين هما قحطان وعدنان، فالقران الكريم دل على عناية العرب بأنسابهم وأحسابهم ونظرتهم إلى أنفسهم أنهم ينحدرون من جد أعلى هو إبراهيم كما في قوله عز وجل: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرََاهِيمَ هُوَ سَمََّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ} [1] . ولكن لم يتعرض لأساس نظريتهم في النسب من حيث العودة إلى جذمين أو طبقتين، وكذلك الرسول عندما سمع إرجاع النسابين أصل العرب إلى قحطان وعدنان قال: (من هاهنا كذب النسابون) [2] وكثير من العلماء والفقهاء أنكروا ذلك في حينه ومصادر الشعر الجاهلي لم تؤكد ذلك أيضا، مما يدعونا بالتالي إلى القول بأن هذا النزاع الذي نشب بين القحطانية والعدنانية في صدر الإسلام، أثر تأثيرا خطيرا في وضع الأنساب فالذين قاموا بوضع جداول النسب وترتيبها كانوا هم أنفسهم من أصحاب العصبية لنزار أو لليمن، متأثرين بالأحوال السياسية لذلك العصر فنجد في أقوال بعضهم تحزبا وتطرفا وميلا إلى تأييد فريق على فريق وذلك سبب اضطرابا واضحا في أنساب وأصول بعض القبائل، فكثيرا ما كانت القبيلة تدعي انتماء قبيلة أخرى إلى نسبها وتفتعل جدولا نسبيا يؤيد ادعاءها بغية استمالة هذه القبيلة إلى صفها وكسب تأييدها ونصرتها من هذا القبيل ادعاء تغلب أن قبيلة باهلة تنسب اليها وافتعالها شعرا يؤيد هذه النسبة استظهارا بباهلة وأميرها ببلخ عمر بن مسلم على المضرية، وادعت الأزد هذه الدعوى للغاية نفسها أيضا [3] . والشيء نفسه نراه في احتدام النزاع بين القحطانية والعدنانية حول قبيلة قضاعة
(1) سورة الحج الاية 78.
(2) الدرر المنثور في التفسير بالمأثور السيوطي 5/ 72.
(3) تاريخ الرسل والملوك الطبري 5/ 380.