الرومان أن ينسبوا (رومولوس) المؤسس الأسطوري لمدينة روما، إلى البطل الطروادي (اينياس) الذي قد يكون بدوره بطلا أسطوريا، ولقد وصلت محاولات التنسيب هذه عند عدد من الشعوب إلى تنسيب الالهة ذاتها كما حدث في ملحمة (اينوما ايليش) التي تروي أسطورة الخلق عند البابليين أو في ملحمة (تيوجونيا) التي حاول فيها الشاعر اليوناني (هزيودوس) أن يفصل نسب الالهة عند اليونان [1] فأنساب الالهة وشكل تسلسلها بعضها من بعض وربط نسب أسر الأشراف ورجال السلطة بحبل نسبها كانت من الأمور التي اهتم بها الاغريق كثيرا.
وكانت العادة انتساب كل قبيلة إلى جد تنتمي إليه، يدعي أنها من صلبه، وأن دماءه تجري في عروق القبيلة، وتتباهى به وتتفاخر، فهو بطلها ورمزها وعلامتها الفارقة التي تميزها عن القبائل الاخرى، ف (هيلين) هو جد (الهيلينيين) ومنه أخذوا اسمهم هذا، وكان للفرس والهنود والأوروبيين أيضا أجداد انتموا إليهم واهتموا بهم، وتعصبوا لهم ونسبوا أنفسهم إليهم على نحو ما نجده عند الشعوب السامية أيضا.
أما اليهود فكانوا يعتبرون أنفسهم منتسبين إلى إله قومي اعتبروه إلههم الخاص بهم المدافع عنهم والذي يرزقهم وينفعهم، وفي التوراة ولا سيما (سفر التكوين) نجد أبرز أمثلة على النسب، ففيها أنساب الأنبياء والشعوب وأنساب بني إسرائيل على هيئة جداول تعود في النهاية إلى أبي الخلق ادم، وقد ورد فيها أسماء يظن من يقرؤها أنها أسماء لعشائر وقبائل، وأخرى ربما لطواطم وتدل كل هذه الأسماء على قبائل وشعوب عاشت قبل الشروع في تدوين هذه الأنساب أو في أيام التدوين، ومن كيفية عرض هذه الأنساب وجمعها وتبويبها يظهر لنا أنه كان في العبرانيين جماعة من النسابين اختصت بجمع الأنساب وحفظها إلى درجة الاهتمام بجمع أنساب الغرباء عن بني إسرائيل، وربما كان كتبة الأسفار من هؤلاء [2] .
وإذا عدنا إلى أساس نظرية نسبهم بالذات نجدها تعتمد على فكرة انتسابهم إلى الإله القومي، وجعلوا يتفاخرون بذلك على سائر الأمم، حتى بلغوا حد التطرف والمبالغة حين اعتبروا أنفسهم شعب الله المختار، وكانت ولا تزال هذه الفكرة هي
(1) العرب في العصور القديمة د. لطفي يحيى ص 85.
(2) انظر المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، جواد علي، 1/ 468.