ولعل خير دليل على ضرورة إحياء هذا العلم ما ذكره أمير البيان شكيب أرسلان إذ قال: «إن علم الأنساب هو العلم الذي يبحث في تناسل القبائل والبطون والشعوب وتسلسل الأبناء والجدود، وتفرع الغصون من الأصول في الشجرة البشرية بحيث يعرف الخلف عن أي سلف انحدر، والفرع عن أي أصل صدر. في هذا العلم من الفوائد النظرية والعلمية بل من الضرورات الشرعية والاجتماعية والأدبية والمادية ما لا يحصى، فليس علم الأنساب بطراز مجالس يتعلمه الناس لمجرد الاستطراف أو للدلالة على سعة العلم، إنما هو علم نظري عملي معا وهو ضروري لأجل الدول الراقية المهذبة التي تريد أن تعرف أصول الشعوب التي اشتملت عليها ممالكها، والخصائص التي عرف بها كل من هذه الشعوب، بما يكون أعون لها على تهذيبها، وحسن إدارتها، فكما أن العالم المتمدن يعنى بتدريس جغرافية البلاد من جهة أسماء البلاد ومواقعها وحاصلاتها وعدد سكانها، فإنه يجب أن يعنى بمعرفة أنساب أولئك السكان وطبائعهم وعاداتهم وميزة كل جماعة منهم ولما كان من الحقائق العلمية الثابتة المقررة عند الأطباء والحكماء كما هي مقررة عند الأدباء والشعراء، أن الأخلاق والميول والنزعات المختلفة تتوارث كما تتوارث الأمراض والأعراض الصحية والدماء الجارية في العروق، فقد كان لا بد من
معرفة الأنساب حتى يسعى كل فريق في إصلاح نوعه بطريقة الترقية والتهذيب ضمن دائرته الدموية بحسب استعدادها الفطري لأن الاجتهاد في تنمية القرائح الطبيعية والمواهب اللدنية لا يمكن أن يثمر ثمرة من قبيل جاء معاكسا لاستعداده الفطري، وهذه الاستعدادات أحسن دليل عليها هو علم الأنساب» [1] .
وكما أن للعرب مجال السبق في وضع أسس ومبادىء علم الاجتماع، كان لهم السبق أيضا في وضع أسس نظريات الترقية والتهذيب للسلالات منذ عشرات القرون، فقد روت المصادر أن المنذر بن أبي حمضة الأكبر الهمداني أمر الهمدانيين أن يحسنوا الإصهار لبناتهم إذ قال: «يا معشر همدان يستخير الرجل منكم الفحل لحجره ولا يستخيره لكريمته» [2] .
وقد جاء الإسلام مؤكدا ومؤيدا لهذه النظرية على لسان رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم حين قال: «تخيروا لنطفكم وانكحوا الأكفاء وأنكحوا إليهم» [3] .
وإذا عدنا إلى المصادر نبحث عن تعريف كلمة (النسب) نجدها في كتب اللغة تعني الوصلة بالقرابة، فيقال بينهما نسب أي قرابة، وجمعه أنساب، ونسبته إلى أبيه نسبا من باب طلب عزوته إليه، وانتسب إليه أعتزى، والنسيب من كان أصله ثابتا [4] .
قال النويري: «معرفة أنساب الأمم مما افتخرت به العرب على العجم لأنها احترزت على معرفة نسبها وتمسكت بمتين حسبها، وعرفت جماهير قومها وشعبها وأفصح عن قبائلها لسان شاعرها وخطيبها أو تحدث برهطها وفضائلها وعشائرها ومالت إلى أفخاذها وبطونها وعشائرها، ونفت الدعي فيها ونطقت بملء فيها» [5] .
أما الباحث المعاصر جواد علي فله رأي اخر في النسب فهو عنده مجرد حلف كان يعقد بين القبائل بدافع من المصالح التي كانت تجمعها، ومع مرور الزمن يتحول هذا الحلف إلى نسب وفي هذا يقول:
(1) انظر كتاب علم الأنساب عبد الله سلامة الجهني ص 1817.
(2) الإكليل، تصنيف الحسن بن أحمد الهمداني، تحقيق محب الدين الخطيب. ط. القاهرة 1368هـ، 10/ 82.
(3) أخرجه ابن ماجة / باب النكاح 46.
(4) انظر القاموس المحيط (مادة نسب) ، وقاموس مختار الصحاح.
(5) كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب.