فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 459

والعربي بطبيعته شغوف بعلم الأنساب سواء تحضر أو تبدى، ولا يزال الاهتمام بهذا العلم مستمرا إلى يومنا هذا ولا سيما عند عرب البادية، ولا نحتاج لإثبات ذلك إلى

دليل بل يكفي أن نعيش مع سكان البادية في عصرنا هذا لنعرف مدى أصالة هذا العلم، فالذي يجيد فن علم الأنساب له مكانة رفيعة بين قومه.

وإذا كان علم الأنساب قد قاوم كل عوامل الفناء التي تعرض لها، كما تعرض لها العرب أنفسهم، فإنه من الواجب علينا أن نحيي هذا العلم وعلى أرضه نضع خطوط مستقبلنا وكيف لا!؟ ومن حولنا شعوب ليس لها نسب أو تاريخ وهي تزيف لها تاريخا وتفتعل لها نسبا كي تربط حاضرها بماضيها وتجعل لها جذورا فإسرائيل تحول القصص الخرافية إلى بناء قومي أو هي تحاول ذلك.

ويخطىء من يظن أن علم الأنساب بات من العلوم القديمة ولا ضرورة لإحيائه اليوم، حيث أن الأمم تتباهى الان بمنجزاتها العلمية والفكرية.

ولكننا نقول له: أليست العلوم العصرية من علم الوراثة والأجناس والسلالات المعروفة اليوم ذات صلة بعلم الأنساب القديم؟ أليست دوائر السجل المدني اليوم هي دواوين أنساب الأمس؟ ولولا وجودها لما استقرت المجتمعات أو عرفت الحقوق الشرعية.

ولعل خير دليل على ضرورة إحياء هذا العلم ما ذكره أمير البيان شكيب أرسلان إذ قال: «إن علم الأنساب هو العلم الذي يبحث في تناسل القبائل والبطون والشعوب وتسلسل الأبناء والجدود، وتفرع الغصون من الأصول في الشجرة البشرية بحيث يعرف الخلف عن أي سلف انحدر، والفرع عن أي أصل صدر. في هذا العلم من الفوائد النظرية والعلمية بل من الضرورات الشرعية والاجتماعية والأدبية والمادية ما لا يحصى، فليس علم الأنساب بطراز مجالس يتعلمه الناس لمجرد الاستطراف أو للدلالة على سعة العلم، إنما هو علم نظري عملي معا وهو ضروري لأجل الدول الراقية المهذبة التي تريد أن تعرف أصول الشعوب التي اشتملت عليها ممالكها، والخصائص التي عرف بها كل من هذه الشعوب، بما يكون أعون لها على تهذيبها، وحسن إدارتها، فكما أن العالم المتمدن يعنى بتدريس جغرافية البلاد من جهة أسماء البلاد ومواقعها وحاصلاتها وعدد سكانها، فإنه يجب أن يعنى بمعرفة أنساب أولئك السكان وطبائعهم وعاداتهم وميزة كل جماعة منهم ولما كان من الحقائق العلمية الثابتة المقررة عند الأطباء والحكماء كما هي مقررة عند الأدباء والشعراء، أن الأخلاق والميول والنزعات المختلفة تتوارث كما تتوارث الأمراض والأعراض الصحية والدماء الجارية في العروق، فقد كان لا بد من

معرفة الأنساب حتى يسعى كل فريق في إصلاح نوعه بطريقة الترقية والتهذيب ضمن دائرته الدموية بحسب استعدادها الفطري لأن الاجتهاد في تنمية القرائح الطبيعية والمواهب اللدنية لا يمكن أن يثمر ثمرة من قبيل جاء معاكسا لاستعداده الفطري، وهذه الاستعدادات أحسن دليل عليها هو علم الأنساب» (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت