الأرضية) [1] . ولذلك قال المستشرق الألماني راسك الذي يمثل تيار التحرر الجاد من تأثير الثقافات اللاهوتية التوراتية معبرا عن رأيه صراحة بقوله: (من يود أن ينهض بالدراسات العربية من مستواها الحالي لا بد أن يكون غير مختص بعلم اللاهوت) واعتبر ظهور النبي محمد صلى الله عليه وسلم وانتصار الديانة الإسلامية حدثا (لا يمكن للعقل البشري أن يحلله [2] ولهذا اتهمه علماء اللاهوت بالزندقة والإلحاد، وحاربته المؤسسات اليهودية. ولكن رغم كل ذلك نحن لا نغبط هؤلاء الباحثين إخلاصهم في عملهم واتباعهم المنهج العلمي الدقيق، ولا نتجاهل نتائج الأبحاث العلمية التي توصلوا إليها، ولا ننسى ما قدموه من خدمات للتراث والتي لم تكن لدى بعضهم بدافع الحب لتراث العرب والإسلام والحرص على معرفة الحقيقة، وإنما كان بدافع خدمة مصالح وغايات هم يدركونها جيدا، متأثرين باتجاهات مدارسهم الثقافية ومصالح دولهم السياسية.
وانطلاقا من تلك الأمور نجد أنهم عندما طبقوا نتائج أبحاثهم عن أحوال المجتمعات البدائية القديمة على المجتمع العربي قد أثّرت فيهم عوامل الميول والهوى وكتبوا ما كتبوه بعنف للتشكيك بأصول كل تراث يصلنا من الأجداد على أنه تلفيق وتزوير لا يستحق البحث أو التقدير، لينمّو فينا عدم الثقة بالنفس وبالتالي نصبح تبعا لفلك ثقافاتهم الغربية، فيملون علينا ما يملون، ويقدمون لنا علوما كنا أساتذتها بالأمس.
وها هو المستشرق نولدكه يقول: (قد حان للعلماء أن يلقوا وراء ظهورهم تلك الاراء الصبيانية التي تحاول أن تقنعنا أن كتب الأنساب العربية التي لفقها محمد الكلبي وابنه هشام وغيرهما ليبينوا صلة القرابة بين الأسر العربية المعاصرة لهم والقبائل القديمة خالية من كل تلفيق وتزوير، أمن المعقول يا ترى أن ننسب جميع قبائل بني قيس النازلة في أواسط بلاد العرب إلى شخص واحد هو قيس المتوفي كما يزعمون قبل ظهور المسيح بمدة قليلة؟ والذي عندي: ألاأحد من الشعوب والقبائل العظيمة يعرف حقيقة الشخص الذي ينسب اليه) [3] .
وقد أيد هذه الاراء كل من المستشرقين: جولد زيهر، سميث، مرجليوت، بلاشير
(1) أسطورة النظرية السامية. توفيق سليمان، نشر دار دمشق ص 35.
(2) المصدر السابق ص 5046.
(3) العصبية القبلية. إحسان النص ص 21.