فقد ظهرت في النصف الثاني من القرن الماضي بحوث غربية ألقت الضوء على بعض جوانب الحياة الاجتماعية لدى الأمم البدائية ولا سيما الزواج عند هذه الأمم، وظاهرة الطوطمية التي وجدت فيها. وحين طبقت نتائج هذه الأبحاث على حياة القبائل العربية في أطوارها الأولى ظهر التناقض سافرا بينها وبين مباحث العرب في الأنساب. إذ
أن بعض هذه البحوث الغربية أدت إلى القول بنظرية الأمومة التي تفسر صلات النسب والقرابة بين أفراد القبيلة على نحو يخالف اتجاه النسابين العرب، وهذا ما أثار الشكوك في صحة الأنساب العربية القديمة حتى عدتها طائفة منهم أسطورة مختلقة وافتعالا محضا [1] .
والأمومة تعني الانتساب إلى الأم، ويراد بها انتساب أهل القبيلة أو الأمة إلى أمهاتهم بدلا من ابائهم فيقال: فلان بن فلانة. والأمومة من الأبحاث التي حدثت في أواسط القرن الماضي بعد شيوع مذهب الارتقاء، وأول من استلفت الأنظار اليها عالم ألماني اسمه (باخوفن) في كتاب نشره 1861، ومرجع بحثه أن الأمومة سابقة في تاريخ العائلة للأبوة، فعنده أن الزواج كان عند الأقدمين فوضويا بلا شرط، وهو زواج المشاركة فإذا ولدت بعض النساء غلاما لا يمكن تعيين والده وهو ملازم أمه للرضاع فينتسب اليها، وقد ذهب أن تأريخ العالم صراع بين الروح والمادة وبين الذكر والأنثى، وأن الحياة الأرضية مزيج من هذين الكفاحين، وبناء على هذا تضاف فوضوية واستباحة المدن إلى فوضوية الزواج وهذا ما يؤدي لتوالد أبناء لا يعرف أباؤهم فلا يبقى مجال الانتساب إلا إلى الأمهات [2] . وقال أن هذا الطور مرت به جميع الشعوب والأمم القديمة.
وقد أيد مبادىء نظرية باخوفن الباحث (مكلينان) في كتاب نشره سنة 1865 وبحث فيه الزواج عند القدماء، وأرجع الأمومة إلى ما سماه الزواج الخارجي أي زواج الرجل من غير قبيلته عن طريق الغزو وخطف النساء، وخيل إليه أن هذه العادة نشأت بسبب وأد البنات الذي كان شائعا عند بعض القبائل مما أدى إلى تناقص عدد النساء ونشوء زواج المشاركة والزواج الخارجي. كما حوى هذا الكتاب أصل مذهبه ورأيه في الطوطمية الذي سنشرحه في ما بعد وكتب في الأمومة ونظام العائلة غير واحد من علماء الاجتماع الألمان والفرنسيين والروس وغيرهم مثل باجيهوت، دارجون، ستارك، جيرو، ووستر مارك وغيرهم [3] .
إلا أن هناك عالمين اهتما بدراسة المجتمع العربي القديم على وجه التخصيص وهما المستشرق / روبرتسن سميث / في كتابه (رابطة القربى والزواج في بلاد العرب
(1) العصبية القبلية. إحسان النص ص 25.
(2) المفصل في تاريخ العرب. جواد علي 4/ 524.
(3) تاريخ التمدن الإسلامي جرجي زيدان 2/ 252.